صحافة المواطن: ” سباق التخلُف “

يرى البعض أن المجتمعات المتقدمة ليست متقدمة لأنها تمتلك أسباب التقدم والتطور، وإنما فقط لأن هناك مجتمعات متخلفة، لذلك يراها الآخرون على إنها كذلك متقدمة ومتحضرة وتتجاوز الكثير من الأمم الأخرى. هكذا يختصر عبدالله الناصري رؤيته في مقال بعثه للصحيفة بعنوان سباق التخلف، والبلد تنشره كما جاء.

إن المجتمعات المتقدمة هي متقدمة لأنها تمتلك موهبة التقدم إن المجتمعات المتخلفة هي متخلفة لأنها تمتلك كل أسباب التخلف
إن المجتمعات التي تعتقد أن حكومتها هي سبب التقدم لا يقل إيمانها في اعتقادها هذا عن المجتمعات التي تؤمن كذلك بأن تخلفها هو نتيجة بسبب تخلف حكوماتها..

إن التقدم والتخلف هو نتيجة توفر مواهب لا ظروف، فالموهبة هي التي توفر الظروف وليس صحيحا أن نقول أن الظروف هي التي توفر الموهبة، ومثال ذلك اختراع جهاز التبريد هو نتيجة توفر موهبة الإختراع ليس نتيجة توفر الظروف، فمخترع جهاز التبريد هو ابن المناطق الباردة وليس ابن المناطق الحارة، فلو كانت الظروف هي المقياس لكان من المفروض أن يكون اختراع جهاز التبريد في المناطق ذات درجات الحرارة المرتفعة وليس المناطق ذات درجات الحرارة المنخفضة.

فمثلما هنالك هنالك موهبة تحفز الإنسان على التقدم هنالك كذلك موهبة تعزز ولوج الإنسان في دهاليز عالم التخلُف، فالتخلف موهبة تصنع ظروف التأخر والتخلف. حين نقوم بقراءة بسيطة للبرامج التلفزيونية التي تُعنى باستعراض المواهب كبرنامج Americans Got Talentوتضعه في ميزان المفارقة والمقارنة مع النسخة العربية المستوردة من البرنامج نفسه Arabs Got Talent ستجد الدليل الحقيقي الذي يُبرهن غياب الموهبة من الشعوب العربية، فأغلب العروض الغربية تكون مملؤة بالدهشة والإثارة في حين تسقط كل عوامل الإدهاش والإثارة في العروض العربية التي تكون أما خالية من الموهبة تماما أو مُقلدة أو مُستهلكة تماما حيث أنك لن تجد في نفسك أدنى رغبة في مشاهدتها مرة أخرى إلا أن كان من باب تعبئة فراغات الوقت لا أكثر.

إن المجتمعات المتعطلة عن التقدم هي مجتمعات محكوم عليها بالتأخر مثلما محكوم على المجتمعات المتقدمة بالتقدم، إن التقدم والتأخر هي أشياء توجد فينا مثلما توجد الوحشية في الأسد ومثلما توجد القذارة في الذُباب، فالأسد لا يستطيع أن يكون إلا وحشا مثلما لا يسطيع أن يكون الذباب إلا عنوان للقذارة، إذا فالشعوب المتقدمةلا تستطيع إلا أن تكون متقدمة موهوبة في التقدم مثلما الشعوب المتأخرة لا تستطيع إلا أن تكون متأخرة في الموهبة التي تساعدها على التقدم.

إن الموهبة هي ليست صناعة تقدمها الحكومات للشعوب، فالحكومات عادة تكون ما تريده الشعوب تحت أي ظرف حتى لو كانت الحكومات جائرة ومستبدة، فهي جائرة ومستبدة على شعوب تمتلك جميع مواهب البقاء تحت سماء الإستبداد والظُلم، ولكن لماذا نحن مصابون بموهبة التخلف بينما الأخر مصاب بموهبة التقدم ؟

.
إن غياب الموهبة هو غياب الواهب، إن غياب الواهب هو تصور ميتافيزيقي تحول إلى قناعة تحاصر عقول المجتمعات المتخلفة، فهي تؤمن أن ستكون موهوبة – أي متقدمة – في اللحظة التي يقرر فيها الواهب منحهم شروط الموهبة التي لا تقوم بشروط أصلا، فالموهبة لا تقوم على الشروط بل تقوم على اللاشروط واللاتقييد، فالموهبة تتعاظم بحُرية ممارستها، ولكن إذا تصورنا الأسد يوما أنه ناعم وليَن حينها سنستطيع تصور مجتمعات عربية موهوبة مقتدمة تُرعب العالم.

الحيوانات التي يتم تربيتها في حدائق الحيوانات هي حيوانات فاقدة لكثير من مواهبها ليس بسبب المكان الذي هي فيه، بس بسبب انتفاء حاجتها للمواهب التي تستطيع من خلالها البقاء وذلك بسبب ترتيب كل حاجاتها اليومية من قبل المشرقين على الحديقة، وهي نفس الحيوانات لو تم إعادتها إلى مناطقها الأصلية فستكون قادرة على استعادة جميع مواهبها لأن صراع البقاء يُحتم عليها هكذا، إذا هل النفط سجل انتفاء الحاجة للمواهب ؟

هل النفط هو الحديقة التي يربينا فيها المشرفين علينا وبتواجدنا في هذه الحديقة تنتفي حاجتنا لموهبة التقدم بسبب غياب أسباب اجتياجنا لها؟ هل الدين هو الحديقة الكريمة بالوعود، ولأننا مؤمنين بالوعود القادرة على تحقيق كل شيء بعد الموت انتفت حاجتنا للموهبة لتحسين الحاضر؟ ما أجمل الإله الكريم بالوعود، لا يوجد حاجة لتوفر نقود لشراء دراجة هوائية ووالدك قدم لك وعدا لشرائها لك من حسابه، كذلك هي أسباب فقدان الموهبة، فنحن لسنا بحاجة للمواهب في الوقت الحاضر وهنالك حزم كثيرة من الوعود التي يعدك الإله بتحققها بعد الموت مُضاف إلا ذلك جزاء كثير على صبرك على فقدان الموهبة.

الصورة: موقع فليكر

1 تعليقك

Comments are closed.