سيادة القانون والسلطة المقيدة

استمرارا لحديثنا الأسبوع الفائت حول ماهية الفرق بين دولنا الحالية والدولة المدنية بقصد تبيان المعايير التي على القارئ المهتم أن ينتبه إليها ويطبقها ليرى ماهية الفرق وكيفية رأب الصدع، أنصرف اليوم إلى تبيان ما نقصده بسيادة القانون والسلطة المقيدة كمعيارين اثنين من معايير الدولة المدنية وأطلب من سائلي مجددا أن يقيس بهما وضع الدولة في بلادنا والأنظمة العربية والخليجية ويخلص إلى نتيجته تلقائيا وذاتيا.

سيادة القانون مفهوم بسيط في لفظه جليل في مغزاه، فهو يعني أن الجميع تحت إمرة القانون بما في ذلك الحكومة (بسلطاتها الثلاث) والأفراد (سواء أكانوا مواطنين أم مقيمين، أو طلقاء أم معتقلين) ، ويعني أن المرجعية والاحتكام في كل شيء مرده إلى القانون وليس إلى أفراد أو أهواء أو رغبات أو اهتمامات.  هذا بطبيعة الحال يتطلب أن لا يوضع هذا القانون من قبل فئة دون أخرى من فئات المجتمع أو طرف دون آخر من أطراف الدولة، بل يتطلب أن يكون هذا القانون مستودعا لقيم يتفق عليها الناس جميعا دون وصاية من أحد ويتفقون على: مصادر هذه القيم ، وآليات استنباطها ، ووسائل سنها في قوانين ، مع تحديد درجات هذه القوانين ، ومدى تداخلها (أو تنازعها) ، ومسؤولية تطبيقها ، ومسؤولية الإشراف على تطبيقها ، ومسؤولية تفسيرها، ومسؤولية الفصل عند وقوع اختلاف في معناها وتطبيقه ، أو في حالة سن قوانين مخالفة للقيم التي اتفق عليها الناس، وفوق هذا كله حق الناس جميعا في الإطلاع على ما يتم في جميع هذه المراحل بكل وضوح وشفافية، وحقهم في المشاركة فيه بشكل مباشر أو عن طريق ممثلين لهم أو الاثنين معا، وهنا يكمن الفرق.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

إن هذا يعني أن سيادة القانون ليس خطابا سياسيا أو إعلانا صحفيا بل مجموعة متكاملة من الإجراءات ومنظومة متداخلة من البنى، تحكمها جميعا المصلحة التي يقررها الشعب، ويهيمن عليها التطور الدائم في احتياجات الناس، وتضبطها القيم الإنسانية الكلية والطبيعة البشرية المتواترة والسنّة الكونية الثابتة، وفي حال الدولة المدنية تتمحور جميع هذه حول الإنسان وأخلاقه (سلوكياته) المرتكزة على أمرين لا ثالث لهما: (1) أن على كل منا أن يدرك أن لكل قول أو فعل تبعات، و(2) أن يتحمل كل منا تبعات ما يقول وما يفعل.  ولذا فإن مما يؤثر في تمام سيادة القانون وجعلها حقيقة ماثلة على أرض الواقع توعية الشعب بما تختزنه قوانين البلاد من تجسيد لسيادة القانون، أو بالمثل ما تفتقر إليه في سبيل تمكين سيادة القانون، وبذا تكون الدولة المدنية كيانا مستقلا عن شخوصها تسعى إلى استقرار الدولة وقيمها المؤسسة، وبذا أيضا تشرك الدولة الشعب في تطبيق القانون حتى على نفسه وصولا إلى تحسيسهم بفائدة الحرص على سيادة القانون.

يبدو لي جليا أن سيادة القانون أمر تم تناوله بشكل مهلك ولكن على الرغم من ذلك ما تزال بعيدة عن الأذهان حقيقته أو فائدته؛ وذلك بسبب غياب الأنموذج والقدوة فيما يتعلق بتطبيقات سيادة القانون أو لعدم تجسد مبدأ شمولية هذه التطبيقات على الجميع، وبذلك فقدت الدولة أهم عامل في قوة أثر سيادة القانون في بناء استقرارها وانتقالها إلى مرحلة الدولة المدنية، والغريب أن التاريخ لا يفتأ يذكرنا بأن سيادة القانون والعدالة أمران مرتبطان ارتباطا عضويا الأول بالآخر؛ من حيث أن الأمر الأول قواعد قيمية تترجم في إجراءات وسلوكيات مؤكدة للنزاهة وموصلة لتكوّن الإنصاف ، وأن الأمر الآخر شعور وقناعة تتكون لدى الأفراد والمؤسسات وينسج بها المجتمع كنتيجة طبيعية للأمر الأول، ولكن تكوين هذه القناعة يتطلب شفافية ووضوحا مستمرين.

المعيار الثاني هو تقييد السلطة، وكما قيل فإن السلطة مُفسدة والسلطة المطلقة مُفسدة على الإطلاق. ومثلما أن السلطة المقيدة معيار للدولة المدنية فإن تقييد السلطة يعد تطبيقا أسمى لسيادة القانون. فلا يمكن لأي فرد أن يحوز على سلطة ما أو أي مؤسسة أن تختص بسلطة ما إلا بقانون اتفق عليه الناس وأقروه يسمح لهم بمراقبة استخدام هذه السلطة وتوظيفها للأغراض المنشودة منها. ومع التخويل والتفويض لابد من تقييد لهذه السلطة، بمعنى تحديد مدى السلطة المخولة أوالسلطة المفوضة. والتقييد قد يكون على أساس زمني؛ بمعنى تحديد مدة معينة تنتقل بعدها السلطة من يد هذا الشخص أو المؤسسة إلى من يليهما ، أو تحديد الإطار الزمني الذي يمكن للشخص أن يتخذ قرارا في شأن ما بحيث تنتقل سلطة اتخاذ القرار إلى مسؤول آخر أو مؤسسة أخرى عن انتهاء أمد هذا الإطار الزمني. وقد يكون التقييد على أساس الغرض المنشود أو الأثر المطلوب تحقيقه ؛ على سبيل المثال تقديم خدمة ما أو اتخاذ قرار ما من خلال تحديد مستوى القرار وموضوعه.  وقد يكون التقييد على أساس جغرافي مناطقي أو قد يكون التقييد مشروطا بالحصول على موافقة أو اعتماد أوغيرها من الشروط.  ومن السهل جدا تقييد السلطات ورقيا ابتداء من سلطة رئيس الدولة وانتهاء بالمواطن العادي ، ولكن الأهم هو مدى الالتزام بهذا التقييد وعدم الالتفاف حوله، وكذلك مدى تطبيق الموضوعية في تنفيذ الالتزام، فقد يلتزم صاحب سلطة خارج إطار مصلحته الشخصية أو الأسرية، ولكن عندما يمسه الأمر شخصيا يعطل هذا التقييد من خلال سلطة تقديرية تمنحها الكثير من القوانين لرئيس الوحدة أو المسؤول المخول في الاستثناء، وهنا يكمن الخلل.

الاستثناء هو مثلب تقييد السلطة وسيادة القانون، فما إن نسمح بالسلطة التقديرية لمسؤول فكأنما نفينا سيادة القانون من البلاد.  ويمكن للسلطة التقديرية أن تتاح في القوانين ولكن ليس لفرد بل لمؤسسة متعددة القطاعات أو لمجلس تشريعي أو بلدي يسمح للمسؤول بالاستثناءات بعد تقدير كل حالة على حدة.  إن تقييد السلطات تقيد انتشار الفساد (وإن كانت لا تمنعه تماما) وتحد من سطوة الظلم، ولكن أثر هذا المعيار مرتبط مرة أخرى بمدى الشفافية والوضوح فيما يتعلق بتطبيق تقييدات السلطة والإفصاح عن مخالفات هذا التقييد، ومرتبط بتوعية الناس بهذه القيود وتشجيعهم على فرضها والالتزام به هم أنفسهم.

لقد استمرت الدول والحضارات مادام الإحساس بالعدل سائدا بسيادة القانون وتقييد السلطات، وما أن يدب في جسد الدولة الإحساس بالظلم أو العجز الناجم عنه، ينخر في الدولة سوس اللامبالاة المؤدي إلى الفساد والتهالك على المصلحة الفردية دونما عناية أو اهتمام بالمصلحة العامة، وبذا ينفرط العقد، ولنا في التاريخ خير معلم.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com