” سكة الحديد”.. يهدد تراث جيولوجي في وادي الجزي عمره 90 مليون عام

سنوياً يأتي عشرات الباحثين وطلاب الجيولوجيا من الجامعات المرموقة في أوروبا واليابان لدراسة التكوينات الصخرية الموجودة في السلطنة، ومن بين هذه الجامعات: جامعة آخن في ألمانيا، وجامعة ETH في زيورخ، وجامعة أوترخت في هولندا. وعلى الرغم من شهرة هذه التكوينات الصخرية في الخارج، ففي عمان لا يعرف عنها سوى القليل والقليل جداّ. التكوينات الصخرية في وادي الجزي هي واحدة من تلك الكنوز الجيولوجية، ولكن الحكومة تدرس حاليا تمرير مشروع سكة الحديد في نفس المسار. وعلى الرغم من الشعبية التي يتمتع بها مشروع السكك الحديدية، فقد كان التركيز فقط عليه من وجهة نظر اقتصادية، دون النظر إلى المخاطر التي قد يتسبب به مسار المشروع بتدمير الكنوز الأثرية وأيضاً الجيولوجية في وادي الجزي.


بعد إعصاري جونو وفت، أصبح العمانيون أكثر إدراكا لمخاطر الفيضانات، ومع بدء حديث الحكومة عن مشروكة سكة الحديد الذي من المثرر مرو مسار السكك الحديدية بالوديان لسهولة مسارها وعدم لإزالة عوائق جبلية وبالتالي تقليل التكلفة، يتسائل الكثير عما إذا كانت هناك دراسة ميدانية للحد من مخاطر الفيضانات إذا مر المسار بوادٍ جار. حتى اليوم، وبعد مرور قرابة ال7 سنوات على إعصار جونو، لم تتغير خطط البناء، وما زالت هناك الكثير من المشاريع التي تبنى في مسارات شكلتها الطبيعة لمرور الفيضانات والوديان إلى البحر، ومنها بناء طرق جديدة بدون رعاية للمخاطر التي تنتج لتودي بحياة الكثيرين. ما هي المعايير التي اتخذت لمنع كوارث من هذا القبيل؟ هل مرور المسار بوادي الجزي ناتج عن تقليل للتكلفة دون أخذ عين الإعتبار فيما إذا كان الطريق سالم أم لا؟ أسئلة كثيرة طرحتها البلد على عدد من الباحثين. ومن بينها مشروع سكة الحديد الذي قد يمر على عدد من المسارات الجيولوجية الطبيعية.

عند دراسة الخرائط التي شاركت بها وزارة النقل والمواصلات عن مشروع السكك الحديدية، يلاحظ أن الكثير من الأماكن في عمان ستستفيد من المشروع بسبب مروره بمدن على طول السلطنة، ومن أهمية المشروع هو ارتباطه بالدول المجاورة، ومنها الإمارات العربية المتحدة

هناك الكثير من العوائق التي قد يمر بها المشروع ومنها العائق الجبلي، ولذلك فقد اختير وادي الجزي كممر إلى الإمارات العربية المتحدة، الفكرة عامة قد تكون جيّدة إن لم يكن وادي الجزي وادياً جارياً عند هطول الأمطار، مما يشكل خطورة على مسار القطار، رغم أن وادي الجزي من الوديان المعروفة عالمياً بسبب الكنوز الجيولوجية الموجودة بها.

جيولوجيا استثنائية

وادي الجزي من الوديان المعروفة في عمان، ولكن أهميتها تتعدى حدود السلطنة، حيث توجد من الكنوز الجيولوجية ما لا يوازيه في أي مكان في العالم، وهو التكوين الجيولوجي المرتبط صخور الأوفيولاي

صخور الأوفيولايت من الإكتشافات المهمة في عمان، وتسميتها العالمية هي “أوفيولات سمائل”، بدأت رحلة الصخور منذ 90 مليون سنة حيث تكونت في قاع البحر وبفعل عوامل تكتونية استقرت في وضعها الحالي على الجزء الشمالي الشرقي من عمان، تأتي أهمية هذه الصخور ليس في طريقة تكونها فحسب، بل بوجودها أساساً، فعندما كان من المفروض أن تنجرف الصفائح التكتونية المكونة للأوفيولايت تحت القشرة الأرضية التي هي الآن عمان، لكن صخور الأوفيولايت ارتفعت واستقرت على اليابسة، وقد احتار العلماء في معرفة السبب، ولهذا يأتي سنوياً عشرات العلماء والباحثين الجيولوجيين من أنحاء العالم لدراستها، خاصة وأن صخور الأوفيولايت في عمان هي من أكثر المنكشفات الجيولوجية للأوفيولايت وضوحاً وأكبرها وأفضلها.

تقول “آنا روبرت”، باحثة في الجيولوجيا من ألمانيا، “صخور الأوفيولايت وخاصة صخور البيلو لافا في وادي الجزي من أهم الصخور التي تذكر في جميع الكتب الجيولوجية، وصورة البيلو لافا في وادي الجزي قد مرت على جميع المهتمين في علم الجيولوجيا وتكوين الأرض، ورؤيتها على الطبيعة تساعدنا على تخيل وضع عمان قبل 90 مليون سنة وكيف تحركت الصفائح لتترك خلفها تاريخ جيولوجياً باهراً.”

نظرة الحكومة

لكن الحكومة تنظر إلى المشروع من جانبين أحدهما إقتصادي والآخر سياسي، فوزارة النقل والإتصالات قالت في تقرير لها أن مشروع سكة الحديد بالسلطنة جزء من مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي يربط عواصم دول المجلس ببعضها من الكويت إلى مسقط , وسوف يسهم مشروع السكة في دعم التطور الاقتصادي لدول المجلس والنمو المستدام على المستوى الوطني والإقليمي وتعزيز التكامل الاقتصادي وتسهيل عملية التبادل التجاري وترويج صناعات دول المجلس مما قد يولد الوظائف لمواطني دول المجلس , وسوف تقدم سكة الحديد نمطا جديدا للنقل لما تتميز به من قدرة على نقل الكميات الضخمة من السلع والبضائع والعدد الكبير من الركاب والمسافرين لمسافات طويلة , كما إن هناك تصور مستقبلي لاستكمال المشروع بأجزاء أخرى من الدقم باتجاه محافظة ظفار من خلال ربط مشروع سكة حديد دول المجلس بالجمهورية اليمنية.

آثار قديمة

ولذلك فإن الباحثة ترى أن التركيز على هذا الجانب غير كاف، وتتساءل “هل سيؤثر مشروع السكك الحديدية على طبيعة الوادي وكنوزه الجيولوجية؟ مؤكدة الخبر عن مرور المشروع من خلال وادي الجزي في انتشار، والكثير من العلماء الجيولوجيين في قلق”.

وتضيف متساءلة  : “قبل أي مشروع، هناك العديد من الدراسات الميدانية التي يجب القيام بها، في الكثير من الدول هذه الدراسات قد تحدد اكتمال المشروع أم لا، فهل هناك دراسة ميدانية حول الأهمية الجيولوجية للمنطقة؟”.

في نهاية حديثها أكدت آنا روبرت : “القائمين بالمشروع طلبوا من بعض علماء الآثار القائمين في عمان بعمل دراسة ميدانية حول ما إذا كانت السكك ستؤثر على الآثار القديمة، ولكن المهلة التي اعطوها لا تكفي للمرور بطول السلطنة والتعرّف على الآثار التي من الممكن أن تتدمر”.

نورا المير – البلد