“ساعي البريد”.. مدونة تبيع الشموع من أجل القراءة

مضى عامان منذ انطلقت مدونة ساعي البريد للكاتب والصحفي حسن اللواتي وهي من المدونات القليلة التي تحتفي بالأدب والكُتاب والأدباء ونشر أخبارهم ونتاجاتهم الأدبية. وتعد بمسيرتها المحافظة بارقة متميزة في محيط الحراك الثقافي العماني. علقت على طرف المدونة عبارة “عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم وظاهرة في حسن اختيارهم” .. وبذلك اتخذت منهجها في نشر تدويناتها واختياراتها بذوق مثقف عماني مهتم باتجاهات التدفق الثقافي العماني والعربي؛ حرصا وحفاظا منه على انتعاش الجانب الأدبي والثقافي في حركة التدوين ليقول لكل الكتاب والناشرين والقارئين : نحن نهتم .. شكرا لعطائكم ..

حسن اللواتي مؤسسة مدونة ساعي البريد يقرأ كتابا مع طفل في معرض مسقط الدولي للكتاب

ملك الشوارع

حسن اللواتي أو ساعي البريد الذي لقب نفسه بـ ملك الشوارع، يجوب الطرقات بحقيبة مملؤة بالمظاريف والمكاتيب يقضي ساعات نهاره بتوزيعها، وكما يقول في تعريفه عن نفسه في موقع المدونة وفي إشارة منه لتجسيد معنى العطاء يقول: “ينتظرني أطفال طاغور بفارغ الصبر، يتقدم نحوي أحدهم وفي يده زورق ورقي كتب عليه اسمه واسم مدينته بحروف سوداء كبيرة، يقدمه لي قائلا: ضعه في نهر الحياة الجاري فربما يلتقطه إنسان ما ويعود إلى عالمه الذي جاء منه…”

البلد استوقفت ساعي البريد في إحدى المحطات للحديث حول ظهور مدونة كهذه –بهذا التوجه والنشاط- وسر استمرارها بذات الاتجاه، وشخصية حسن اللواتي النهمة لابتلاع الكتب ومناقشة الإصدارات .. وعن الحقيبة التي لاتفرغ من الرسائل والساعي الذي لا يكل العطاء .. وكان هذا الحوار:

“ولدتْ ساعي البريد لتكون جسرا بين السلطنة والوطن العربي؛ بحيث يتعرف المثقف العربي على الإنتاج العماني في مجال القصة القصيرة والرواية والشعر والمسرح وأدب الطفل والفكر ومختلف أنواع الفنون، كذلك أسعى لتعريف المجتمع العماني بجديد الساحة العربية الثقافية. وتصلني هذه الأخبار أحيانا عن طريق مجموعة من المثقفين العرب عبر البريد الإلكتروني.” يقول: “علينا بالمعرفة أولا وآخرا فهي مفتاح كل الأسرار وعندما تقرع باب كتاب ما يفتح لك الباب وتشعر بأن الدنيا كلها لك .. ”

…..

“بدايتي قديمة .. في نهاية سنة 2003 وبداية سنة 2004 بدأت الترويج للكاتب العماني من خلال توزيع مجموعة من المؤلفات العمانية لبعض الكتاب والكاتبات وذلك من خلال المواقع والمنتديات الإلكترونية الأدبية، وقد منحني بعض الكتاب والمثقفين لقب “جسر السلطنة إلى الوطن العربي” و”ساعي بريد الأدباء” في سلطنة عمان .. وبعض الألقاب الأخرى كـ الطريف منها “بابا نويل” . وقد لفت انتباهي لقب ساعي بريد الأدباء وأحببته كثيرا ومع كثرة ترددي على مكاتب بريد عمان في جامعة السلطان قابوس وفي روي لإرسال المؤلفات العمانية قررت اختيار هذا اللقب كعنوان للمدونة.

…….

“بعد التأسيس .. بدأت “ساعي البريد” ومن باب التجديد والتشجيع بتقديم بعض المبادرات والأنشطة بهدف الترويج للكتاب والكُتّاب.. فوضعت “جائزة ساعي البريد للقراءة” بعد أن فتحت مكتبتي لكل من يرغب بالقراءة والاستعارة؛ وكان معيار التقييم أكثرية القراءة وتقديم ملخصات يعرض فيها القارئ ما أعجبه من الكتب في قراءة شخصية للكتاب” ..

مبادرات

“هناك أيضا مبادرة “هدايا ساعي البريد” تم تفعيلها ضمن المدونة وتقوم فكرتها على تقديم كتب مجانية لأي قارئ أجد في مكان ما في دلالة على نبل المبادرة وسمو مقصدها .. يقول حسن : “فـ غالبا ما آخذ معي مجموعة من الكتب في تنقلاتي وزياراتي وأقدمها هدية لمن أشعر انه يرغب بالقراءة .. وبذلك أتعرف على أناس جدد وتكون هذه المبادرة سببا للتعارف والتواصل” ..

من المبادرات التي تبنتها “ساعي البريد” طباعة الكتب للمؤلفين من السلطنة والوطن العربي.. يقول حسن اللواتي في ذلك : “بدأت في نهاية سنة 2011 وطبعنا المجموعة القصصية القصيرة “سرنمات” للكاتب المبدع وليد النبهاني واحتفينا بهذا الكتاب في معرض مسقط للكتاب الدولي 2012 لم يتوفر المال في البداية فقمت بعمل بعض المشغولات اليدوية ومنها الشموع كما قمت ببيع أشياء أخرى وبعد اكتمال المبلغ قمنا بطباعة الكتاب، كذلك قمت بدعم ديوان شعر بعنوان ” أخفي الأنوثة ” للشاعرة والروائية السورية نادين باخص وكان هناك مبلغ متبقي لدي من المبيعات السابقة بالإضافة إلى بيع نسخ من سرنمات كل ذلك ساعدني على إتمام المبلغ” .. يضيف: “أحب تقديم العون للمؤلفين وخاصة من سلطنة عمان والمسألة تعتمد على مدى توفر المال .. وسيستمر مصباح الدعم إذا ما استمر توفر الزيت الذي لن يدعه ينطفئ.”

لماذا نخب القراءة
وفي الأنشطة التي تعكف على استمراريتها مدونة ساعي البريد مبادرة “لماذا نحب القراءة؟” وهي من الأنشطة التي تعبر عن عطاء صاحبها وصبره لهدف يعتبره ساميا جدا ولا يمكن التنازل عنه أمام أي مطب .. يقول: “منذ أسابيع قليلة بدأت في طرح هذا السؤال على الناس في بعض الأماكن، كتبت السؤال على ورقة كبيرة وبخط مناسب وتحمل الورقة دمية صغيرة ومبتسمة أطلقت عليها اسم فرحان ووضعت بجوارها دمية سنفور مفكر وهو يحمل كتابا في يده، لم أعلن عن هذه المبادرة في المدونة وعشت تجربة جميلة في مكانين وكانت التجربة في المكان الأول أجمل، جلست في مكان واحد ومر العديد من المارة وكان ينظرون إلى الورقة ويسرعون الخطى مبتعدين والبعض منهم يبتسم وفجأة لمحت رجلا يحاول عبور الشارع وكان ينظر الى الورقة باهتمام كبير وبعد عبوره الشارع جلس بجواري مبتسما فقلت له هل تحب الاجابة على السؤال ففرح كثيرا وقدمت له قلما وورقة ولدى مشاهدة أناس أخرين لنا شجعهم المنظر على الاقتراب منا والإجابة على السؤال. أسعى لتجميع شهادات في حب القراءة من أبناء مجتمعنا العماني من غير النخبة المثقفة أو مجموعة المؤلفين والكتاب وأرغب في تجميع الشهادات الجيدة في كتاب يتحدث عن القراءة ومحبيها من مجتمعنا العماني، أريد أن أكمل هذه التجربة وأعلن عنها لاحقا، صحيح أن الجو في الخارج صعب هذه الأيام وهناك مارة لا يهتمون لهذا السؤال إلا أن النفس المشرقة تجد جوها السعيد في أقسى الظروف وحيثما ينبثق نور الأمل وتتأكد الثقة بالنفس فلا ظلام وكما يقول الكاتب الفرنسي ميلوز: “لك قلب للأمل ويدان للعمل”

صناديق
هكذا يتحرك ساعي البريد من صندوق إلى صندوق .. ومن محطة إلى أخرى .. ورغم اختلاف الفضاءات التي يرتحل إليها تظل حقيبته مملؤة سخية لا يعتريها الهزال ولا تؤمن بأكثر مما تؤمن بقيمة العطاء.. يقول الساعي حسن في ختام قوله: “لقد ظلت القراءة لأربابها ومحبيها في عصر السرعة هذا .. عصر التلفزيون والسينما والفضائيات والانترنت والهواتف الذكية وغير ذلك .. ولكننا لن نرى المرجع الأول والأخير إلا في بحور الكتب العميقة ولذلك قد لا تطفو المعادن الثمينة على قشرة الأرض”.

 

رحمة الصوافية – البلد