زلزال جنوب شرق إيران : رؤية تحليلية علمية ونفي لشائعة تسونامي

٢٠١٣٠٤٢١-١٣٢٨٠٨.jpg

بتاريخ 3462/40/61م الساعة 43:00:34 مساء بالتوقيت المحلي لسلطنة ُعمان ضرب زلزال عنيف جنوب شرق ايران بقوة 6.1 درجة بمقياس ريختر وبعمق ناهز ال 67 كم تحت سطح الأرض وأحس به سكان كل من ايران والهند وباكستان ودول الخليج العربي بما فيها السلطنة. وقد وقع الزلزال جنوب شرق ايران وتحديدا في مقاطعة بلوشستان وسيستان المتاخمة للحدود الباكستانية في منطقة بعيدة وغير مأهولة الا من بعض القرى المتباعدة هنا وهناك كقريتي سرفان وكاش واللتين تأثرتا بشكل كبير بقوة الهزة كما أن بعض القرى في الجانب الباكستاني أعلنت عن حالات قتلى ناتجة عن الزلزال‘ وقد وصل تأثير الهزة منطقة الخليج العربي فشعرت به بعض المدن كما أن سكان المباني الشاهقة شعروا به بصورة أكبر.

البعد الجيولوجي والتكتوني:
من المعلوم أن ايران تقع ضمن نطاق الزلازل حيث ان حركة الصفائح الأرضية هي المسبب الرئيس للزلازل حول العالم وايران تقع على حدود الصفيحة الايروأسيوية والتي تصطدم بالصفيحة العربية حيث تتكسر الأخيرة خلال انضوائها أو انغماسها تحت الصفيحة الايروأسيوية ، هذا التركيب الجيولوجي المعقد كون مناطق صدوع نشطة وسلسلة جبال حية لازالت تنمو وترتفع في الجانب الإيراني. الصفيحة العربية تتحرك وتصطدم بالصفيحة الايروأسيوية بمعدل 6 الى 2 سم في العام الواحد وتغوص أسفل الصفيحة الايروأسيوية لأعماق سحيقة ثم تتكسر بعد أن تختزن طاقة كبيرة نتيجة للجهد والضغط الذي تعرضت له وبعد أن يتعدى الضغط قوة تحمل الصخور تتحرك الصدوع محررة الطاقة الكامنة فيها.

النظرة التأريخية:
ايران كانت ولا زالت تتعرض للزلازل الكبيرة والصغيرة بشكل يومي وان كانت بنسب متفاوتة فكل زلزال كبير يقابله عشرات الزلازل الصغيرة والتي تهز الارض ولكن بمقدار صغير غير مشعور به، قد يكون هذا الزلزال هو الأكبر الذي يضرب ايران منذ أكثر من 04 عاما عندما ضرب زلزال منطقة داباس الايرانية في العام 6761م وحصد أكثر من 67 ألف قتيل، كما تعرضت ايران لأكثر من 24 زلزال كبير خلال هذا القرن والقرن الماضي حصدت ما يزيد على 624 ألف قتيل وأضعاف هذا العدد من الجرحى والمشردين، وليس ببعيد عن ذاكرتنا ذلك الزلزال الذي رجفت منه مدينة بم في العام 3442 وكانت قوته 1.1 درجة بمقياس ريختر لكنه قتل أكثر من 37 ألف شخص، كما أن محطات الرصد سجلت بتأريخ 9 إبريل 3102 م زلزال بقوة 1.2 في منطقة بوشهر الايرانية.

معطيات وطاقة الزلزال:
الزلزال كان بقوة حوالى 6.1 درجة بمقياس ريختر كما رصده مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس وتم تسجيله من قبل محطات ومراكز الرصد العالمية بفوارق عشرية تزيد أو تنقص وكل ذلك خاضع لمعادلات وحسابات لوغارثمية رياضية، المهم في الأمر أن هذا الرقم وما يمثله هو مبهم لغير المختص وسنحاول ايصال ما يمثله بشكل مبسط: زلزال بهذه القوة يوصف بالمدمر إذ أن التأثير التدميري للزلازل يمكن أن يبدأ من زلازل أصغر بكثير كقوة 0 أو 7 درجات، مقدار الطاقة التي أطلقها هذا الزلزال تعادل 2.1 ميجاطن من مادة TNT شديدة الانفجار وهذه الطاقة تعادل تفجير أكثر من 374 قنبلة نووية مشابهة لتلك التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية، هذه الكمية المهولة من الطاقة أطلقت في باطن الأرض على عمق يزيد عن 67كم لذلك تبدد الجزء الأكبر منها قبل أن يصل لسطح الأرض وما شعرنا به ليس الا اليسير من هذه الطاقة، لذلك فإن العمق الكبير للزلزال لعب دور محوري في تقليل حجم الضرر.

الهزات الارتدادية:
عادة ما يعقب هذه الزلازل الكبيرة توابع وهزات ارتدادية أصغر منها تمثل تحرير جزئي للطاقة الكامنة وعلى مراحل حتى تعود الكتلة الصخرية المرتبطة بالزلزال الى وضع الاتزان والثبات‘ و قد تستمر هذه الزلازل لأسابع أو شهور حسب قوة الزلزال وحسب التعقيد الجيولوجي والتكتوني للمنطقة وتكون هذه الهزات الارتدادية كثيرة العدد في الأيام الأولى ثم يبدأ عددها يقل مع الزمن، أما بالنسبة لهذا الزلزال فقد ُرصد له حتى كتابة هذا المقال ثمان هزات ارتدادية تراوحت قوتها بين الدرجتين والخمس درجات تقريبا.

الزلزال وأمواج التسونامي:
نظريا زلازل البحر هي التي ُتحدث أمواج التسونامي بشرط أن تتوفر الظروف الملائمة والتي تشمل قوة الزلزال الكبيرة و وقوعه في البحر و ضحالة عمق بؤرة الزلزال وأخيرا الحركة أو الإزاحة في الصدع والتي تحرك الكتلة المائية، ولم تتوفر معظم هذه الشروط فالزلزال يبعد عن أقرب مسطح مائي (بحر ُعمان) حوالي 244كم كما أنه كان عميقا لذلك لم يكن هناك من داعي
للقلق من حدوث أي أمواج تسونامي ناتجة بفعل الهزة.

التنبؤ بالزلازل واحتمال حدوثها:
(الأرض جسم معقد التركيب متحرك حي وغير متجانس) هذه الجملة تبرر عدم قدرة البشر على التنبؤ بالزلازل حيث لا يزال العلم قاصرا عن معرفة ما سيحدث سلفا من تبادل لموازين الطاقة والقوى من صدع لصدع ومن صفيحة لأخري وهذا التبادل بكل بساطة هو تفريغ لزلازل وقوى كامنة هي عصية عن التنبؤ البشري، وهنا لابد أن نشير أن التنبؤ لا يكون ذو فائدة الا إن إحتوي على ثلاثة عناصر وهي المكان والزمان والقوة، واقتطاع احد العناصر يخرجنا من دائرة التنبؤ لدائرة عامة هي الاحتمال، والاحتمال يمكن لأي شخص كان أن يطلقه اذا استند الى معطيات علمية وتاريخية ولكن لا يمكن أن ُيبني عليه قرار اخلاء مدينة أو ايقاف منشأة حيوية أو تعطيل مصالح دولة، ولم يحدث أن عولت عليه أي دولة متقدمة لاتخاذ أي قرار طارئ.
ما يمكن أن يعول عليه هو الدراسات التي تعمل من مراكز الرصد والتحليل وذلك بإستقراء المستقبل من خلال قاعدة بيانات عريضة وخرائط للخطر الزلزالي يمكن أن يعول عليها في تصميم المباني وفي تحديد مواقع المنشئات الحيوية وفي المشاريع المستقبلية الاستراتيجية للدولة وذلك من باب حسن الاستعداد للزلازل.

تفنيد الزلزال من الشائعات:
وهنا بالتحديد نخص الشائعة التي راجت وانتشرت من قبل برامج التواصل الاجتماعي وذكر فيها أن(هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية حذرت من احتمال وقوع زلزال بقوة 1.1 درجة على سواحل ُعمان وأن الزلزال سيحدت موجة تسونامي في المحيط الهندي وستدمر الكثير من القرى والمدن على سواحل عمان والهند وباكستان) الى ما ذلك مما ذكر في التحذير، وبتفنيد الخبر يتضح جليا أنها شاعة وخبر بلا روح وقدالبسه للأسف كثيرمن الناس عبائة الخبر المؤكد والرسمي دون الرجوع لموقع هيئة المسح الجيولوجية الأمريكية والتي لم تعلن عن شيء كما أن الخبر حدد زلزال بقوة 1.1 درجة وهو يفوق الزلزال الحالي ب 23 مرة من حيث الضخامة إذ أن الفارق بين كل درجتين متتاليتين في مقياس الزلازل يعادل 23 ضعف، كذلك فإن الخبر حدد بدقة موقع الزلزال وهوعلى سواحل ُعمان وأنه سيحدث أمواج تسونامي تدمر قرى بأكملها وكل هذه الأمور لم تحدث والحمدلله، ما نريد ايصاله أن الاشاعات تنشط بعد الكوارث والزلازل وقد ظهرت هذه الاشاعة بعد زلزال التاسع من ابريل في منطقة بوشهر الايرانية وكان القصد منه بث الذعر في الناس وتقويض راحتهم وقد صادف فضاء خصب في برامج التواصل الاجتماعي.

*ماجد بن محمد السيفي
باحث مساعد بمركز رصد الزلازل