رأفت الهجان.. المناضل وفاضح ” امبراطورية الموساد”

الأول من يوليو، إنه اليوم الذي ولد فيه أشهر جاسوس مصري ضد دولة الاحتلال الصهيوني، رفعت علي سلميان الجمال الذي عرف باسم (رأفت الهجان)، قام لسنوات طويلة بإمداد جهاز المخابرات المصرية بمعلومات مهمة تحت ستار شركة سياحية داخل دول الاحتلال، واستطاع تزويد مصر بتفاصيل عن خط برليف التي أحدثت هزة عنيفة لأسطورة تألق الموساد ( استخبارات دولة الاحتلال الصهيوني ) وصعوبة اختراقه، واعتبر الهجان بطلا قوميا مصريا خلدت ذكراه في رواية أدبية، ومسلسل تلفزيوني شد الملايين في الوطن العربي. ولد رأفت الهجان في مدينة “دمياط” بجمهورية مصر العربية، حيث كان والده يعمل في تجارة الفحم أما والدته فكانت ربة منزل تحدرت من أسرة مرموقة وكانت والدته تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

طالب مستهتر
ومن المفارقة أن الكثير لا يعرف أن الهجان كان طالبا مستهترا لا يهتم كثيرا بدراسته، فقد كان يهوى اللهو والمسرح والسينما بل إنه استطاع أن يقنع الممثل بشارة واكيم بموهبته ومثل معه بالفعل في ثلاثة أفلام، لذا رأى إخوته ضرورة دخوله لمدرسه التجارة المتوسطة رغم اعتراض “رفعت” على إلحاقه بمثل هذه النوعية من المدارس. في المدرسة بدأت عيناه تتفتحان على البريطانيين وانبهر بطرق كفاحهم المستميت ضد الزحف النازي، تعلّم الإنجليزية بجدارة، وأتقنها باللكنة البريطانية. ومثلما تعلم “رفعت” الإنجليزية بلكنة بريطانية تعلم الفرنسية بلكنة أهل باريس. تخرج في عام 1946 وتقدم بطلب لشركة بترول أجنبية تعمل بالبحر الأحمر للعمل كمحاسب واختارته الشركة برغم العدد الكبير للمتقدمين ربما نظرا لإتقانه الإنجليزية

تنقل الهجان في العمل بين عدة شركات انجليزية وأمريكية، وتنقل بين كندا وألمانيا بوثائق مزورة وجواز سفر مزور حتى تم اعتقاله من قبل الشرطة الألمانية وتم ترحيله قسرا إلى مصر، حيث استطاع تزوير جواز سفر باسم “علي مصطفى”، يحوي صورته، بدلا من صورة صاحبه الأصلي. وبهذا الاسم الجديد، عمل “رفعت” في شركة قناة “السويس”، وبدا له وكأن حالة الاستقرار قد بدأت.

ترك العمل، في شركة قناة “السويس” خوفا من كشف هويته من البريطانيين، وحصل على جواز سفر جديد، لصحفي سويسري، يُدعى “تشارلز دينون”. وهكذا أصبح الحال معه من اسم لاسم ومن شخصية مزورة لشخصية أخرى إلى أن ألقي القبض عليه من قبل ضابط بريطاني أثناء سفره إلى ليبيا بعد التطورات السياسية والتتغيرات في 1953 وأعادوه لمصر . واللافت في الموضوع أنه عند إلقاء القبض عليه كان يحمل جواز سفر بريطاني إلا أن الضابط البريطاني شك أنه يهودي وتم تسليمه إلى المخابرات المصرية التي بدأت في التحقيق معه على أنه شخصيه يهودية.

وبعد تحقيق مطول مع الشرطة المصرية، كشف الهجان للضابط المصري حسن حسني عن كل ما مرت عليه من أحداث واندماجه مع الجاليات اليهوديه حتى أصبح جزءا منهم واندماجه في المجتمع البريطاني والفرنسي. وقام حسن حسني بدس مخبرين في سجنه ليتعرفوا على مدى اندماجه مع اليهود في معتقله وتبين أن اليهود لا يشكون ولو للحظه بأنه ليس يهوديا مثلهم وتم في تلك الأثناء واستنادا إلى المخابرات المصرية التأكد من هوية الهجان الحقيقية.

يقول رفعت في مذكراته عن هذه المرحلة في حياته: “وبعد أن قضيت زمنًا طويلاً وحدي مع أكاذيبي، أجدني مسرورًا الآن إذ أبوح بالحقيقة إلى شخص ما. وهكذا شرعت أحكي لحسن حسني كل شيء عني منذ البداية. كيف قابلت كثيرين من اليهود في استوديوهات السينما، وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلا. وحكيت له عن الفترة التي قضيتها في “إنجلترا” و”فرنسا” و”أمريكا”، ثم أخيرًا في “مصر”. بسطت له كل شيء في صدق. إنني مجرد مهرج، ومشخصاتي عاش في التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريد في حياته.”

بدء العملية الجاسوسية
عرض الضابط حسن حسني على رفعت خيارين إما السجن وإما محو الماضي بشخصيته وبداية مرحله جديدة وبهوية جديدة ودين جديد ودور بالغ الأهمية والخطورة وهو العمل لصالح المخابرات المصرية الحديثة النشوء. وبعد أن وافق رفعت الجمال على هذا الدور بدأت عمليات تدريبه، وشرحوا له أهداف الثورة وعلم الاقتصاد وسر نجاح الشركات متعددة القوميات وأساليب إخفاء الحقائق لمستحقي الضرائب ووسائل تهريب الأموال بالإضافة إلى عادات وسلوكيات وتاريخ وديانة اليهود ، وأعقب هذا تدريب على القتال في حالات الاشتباك المتلاحم والكر والفر، والتصوير بآلات تصوير دقيقة جدًا، وتحميض الأفلام وحل شفرات رسائل أجهزة الاستخبارات والكتابة بالحبر السري، ودراسة سريعة عن تشغيل الراديو، وفروع وأنماط أجهزة المخابرات والرتب والشارات العسكرية، وكذلك الأسلحة الصغيرة وصناعة القنابل والقنابل الموقوتة وهكذا انتهى رفعت الجمال وولد (جاك بيتون) في 23 اغسطس 1919 من أب فرنسي وأم إيطالية وصار له جواز سفر دولة الاحتلال صادر من تل أبيب برقم، وانتقل للعيش في حي في الإسكندرية تسكنه الطائفة اليهودية وحصل على وظيفة مرموقة في إحدى شركات التأمين وانخرط في هذا الوسط وتعايش معهم حتى أصبح واحدا منهم.

يقول رفعت عن هذه المرحلة في مذكراته: ” ومرة أخرى وجدت نفسي أقف عند نقطة تحول خطيرة في حياتي. لم أكن أتصور أنني ما أزال مدينًا لهم، ولكن الأمر كان شديد الحساسية عندما يتعلق بجهاز المخابرات. فمن ناحية روعتني فكرة الذهاب إلى قلب عرين الأسد. فليس ثمة مكان للاختباء في دولة الاحتلال، وإذا قُبض عليَّ هناك فسوف يسدل الستار عليَّ نهائيًا والمعروف أن دولة الاحتلال لا تضيع وقتًا مع العملاء الأجانب. يستجوبونهم ثم يقتلونهم. ولست مشوقًا إلى ذلك. ولكني كنت أصبحت راسخ القدمين في الدور الذي تقمصته، كما لو كنت أمثل دورًا في السينما، وكنت قد أحببت قيامي بدور “جاك بيتون”. أحببت اللعبة، والفارق الوحيد هذه المرة هو أن المسرح الذي سأؤدي عليه دوري هو العالم باتساعه، وموضوع الرواية هو الجاسوسية الدولية. وقلت في نفسي أي عرض مسرحي مذهل هذا؟… لقد اعتدت دائمًا وبصورة ما أن أكون مغامرًا مقامرًا، وأحببت مذاق المخاطرة. وتدبرت أمري في إطار هذه الأفكار، وتبين لي أن لا خيار أمامي. سوف أؤدي أفضل أدوار حياتي لأواجه خيارين في نهاية المطاف: إما أن يُقبض عليَّ وأستجوب وأشنق، أو أن أنجح في أداء الدور وأستحق عليه جائزة الأوسكار”.

تحقيق إنجازات كبيرة
تسلم الهجان مبلغ 3000 دولار أمريكي من المخابرات المصرية ليبدأ عمله وحياته في دولة الاحتلال. وقد قدم الهجان معلومات دقيقة لجهاز المخابرات المصرية وحقق إنجازات عدة من بينها: تزويد مصر بميعاد العدوان الثلاثي على مصر قبله بفترة مناسبة إلا أن السلطات لم تأخذ الأمر بمأخذ الجد. تزويد مصر بميعاد الهجوم عليها في 1967 إلا أن المعلومات لم تأخذ مأخذ الجد لوجود معلومات أخرى تشير بأن الهجوم سيكون منصبا على سوريا. إبلاغ مصر باعتزام دولة الاحتلال إجراء تجارب نووية، واختبار بعض الأسلحة التكنولوجية الحديثة، أثناء لقائه برئيسه علي غالي في ميلانو. زود مصر بالعديد من المعلومات التي ساعدت مصر على الانتصار في حرب أكتوبر. كانت له علاقة صداقة وطيدة بينه وبين موشي ديان وعيزر وايزمان وشواب وبن غوريون.

انتهاء العملية الجاسوسية
وفي يونيو 1956 استقل رأفت سفينة متجهة إلى نابولي قاصدًا أرض الميعاد.حيث انتهت عمليته الجاسوسية. عمل في مصر في مجال البترول. وأسس شركة آجيبتكو. وأعطى أنور السادات تعليماته لوزير البترول بأن يهتم بهذا “الرجل” العائد في شخصية جاك بيتون، دون أن يفصح عن شخصيته. وشدد على أهمية مساعدته وتقديم كل العون له، فلم تجد وزارة النفط سوى بئر مهجور لتقدمه له بعد أن تركته شركة أخرى، لعدم جدواه. ورفضت هيئة البترول السماح له بنقل البترول من البئر في الصحراء الغربية إلى داخل البلاد بالتنكات. وأصرّت علي نقله بأنابيب النفط، وهو ما لم يتمكن رفعت من توفيره ماديا، فلجأ مرة أخرى إلى السادات الذي كرر تعليماته بمساعدته وتقديم كل العون له. لكن أحدًا لم يهتم به، فساءت حالة شركته، وتصرفت فيها زوجته فالتراود بيتون بعد أن مات في عام 1982. وباعتها لشركة دنسون الكندية.

وفاته
توفي الهجان بعد معاناته بمرض سرطان الرئة عام 1982 في مدينة دارمشتات القريبة من فرانكفورت بألمانيا ودُفن فيها.

ابنه بدون هوية مصرية
ولرفعت الجمال ابن واحد من زوجته الألمانية إلا أنه لا يحمل الجنسية المصرية، حيث أن المخابرات المصرية وفي إطار الإعداد للعملية قد قامت بإزالة كل الأوراق التي قد تثبت وجود رفعت الجمال من كل الأجهزة الحكومية بحيث صار رفعت الجمال رسميا لا وجود له، وبالتالي لا يستطيع ابنه الحصول على جواز السفر المصري الأمر الذي أدى بزوجته وابنه أن يقدموا التماسا لرئيس مصر المخلوع حسني مبارك لاستغلال صلاحياته في إعطائه الجنسية، إلا أن طلبهما قوبل بالرفض لعدم وجود ما يثبت بنوته لرجل مصري.

تخليد ذكراه
استطاع الكاتب صالح مرسي تخليد ذكراه برواية (رأفت الهجان)، واعتبرت الرواية من أهم روايات الأدب الجاسوسي العربي، ثم حوّلت الرواية إلى مسلسل بطولة محمود عبد العزيز الذي تجاوز عدد حلقاته الستين حلقة، وإخراج يحيى العلمي، وكانت شوارع القاهرة تبدو خالية في توقيت عرض المسلسل.

 

1 تعليقك

  1. لا أدري لماذا لم تبث الفضائيات المصرية مسلسل رأفت الهجان وكذلك فيلم الرسالة؟ وقبل خمس سنوات على ما أتذكر بثت الفضائية المصرية (قفص) حلقة واحدة من رأفت الهجان واعترضت إسرائيل فتوقف بث المسلسل. أما فيلم الرسالة فربما لأن مخرجه ليس مصريا. ومخرجه للعلم هو السوري الشهيد العقاد الذي قتل في تفجيرات مشبوهة بالأردن. هذا الكلام ليس نقدا لأحد ولكنه ذكر للحقيقة. فهل أنا مخطئ؟ لا أدري.
    محمود

Comments are closed.