دولة دين ودنيا

ما تزال قابعة في أذهان العديدين الفكرة القائلة بأن الدولة المدنية عدوة للدين ومنافية لوجوده ومضادة لرسالته، ولربما يعذر هؤلاء في فهمهم للدولة المدنية إن هم ركزوا على تجارب دول مارقة على السلطة الدينية كفرنسا وإيطاليا أو الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، ولكنهم لا يعذرون إن هم غابت عنهم التجربة الأمريكية وإلى حد ما التجربة البريطانية التي اتخذت من الدولة المدنية عنوانا وإطارا عاما ولم تعادِ الدين.

كلما قلبت الفكر وأعملته في شأن الدولة المدنية، كلما أدركت أنها دولة تسعى لتقديم الخيار والحرية وتسعى (سواء بشكل مباشر أم غير مباشر) إلى حماية الدين والمعتقد من التوظيف السياسي وتقييد الحكومات تحت سيادة القانون الذي تسري سلطته على الجميع مؤسسات وأفرادا، لاسيما إن نحن أحسنا صياغة دستورها.  إن الدولة المدنية في كنهها الأساسي ترمي إلى التحرر من تضارب السلطات وإرثها، وتروم تكريس المصلحة العامة للناس كافة وضمان حقوق جميع الأفراد المتعايشين مهما اختلف ثقافاتهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية، وتبني من القوانين والنظم أوعية جامعة للقيم التي جاءت بها المعتقدات جميعا وضوابط لسلوك الأفراد والمؤسسات، دون أن يكون في ذلك مسوغا لتغلب معتنقي معتقد على آخر أو التمييز ضد معتنقي معتقد ما، سواء أكان ذلك المعتقد اجتماعيا أو سياسيا أو دينيا أو فكريا أو غيره.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

 

ولنا في صحيفة المدينة – التي بدأ بها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله – العهد المدني عبرة ونظر لمن أراد أن ينظر إلى أنموذج صالح للدولة المدنية ؛ فكما جاء في الصحيفة فإن جميع من سكن المدينة أمة واحدة، ويرادف ذلك في سياقنا السياسي الحالي أن الشعب هو جميع من سكن الدولة على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم ، ولهم مثل الذي عليهم بالمعروف.  وهم بذا يشتركون في الشأن العام (من إدارة الاقتصاد والأمن والدفاع والموارد الطبيعية المشتركة وغيرها) ولكل شرعته فيما يتعلق بالشأن الخاص (من أحوال شخصية وسلوكيات فردية خاصة)، وإن تضارب الشأنان كان القانون هو الحكم والناس. وهذه من  أهم ملامح الدولة المدنية الني نتكلم عنها مع فارق واحد في عصرنا ألا وهو اتساع نطاق الشأن العام بحكم طبيعة التجمعات البشرية والعولمة.

إن مقاربة تشكيل الدولة التي أظهرت نجاعتها من حيث تمكين العدالة واستقرار الدولة هي تلك التي اعتمدت على تكوين أفراد مواطنين صالحين مقدرين لحجم مسوؤليتاتهم وحقوقهم وقادرين على القيام بالأولى والتمتع بالثانية، وهم بذلك أقدر على ضبط سلوك الدولة وتوجيهه وأوفق في الانتماء إلى الدولة والذود عنها، وذلك موصل إلى مواطنة إيجابية لا تتكيء على الاستهلاك وترهق الإدارة التي لن تدرك أثر الاتكالية التي تطلق لها السلطة إلا ولات حين مناص.

والتاريخ السياسي للمنطقة يظهر أن الدولة المدنية الأولى (في عهد النبي عليه السلام) ركزت على صلاح الفرد وقيامه على أمر نفسه وقيمه، فهو لب المجتمع الصالح المتعاضد الذي يكوّن الدولة الصالحة المتعاضدة، وهذا عادة ما لا يستقيم إلا من خلال انتقالنا من الوعي والنضج الفردي إلى الوعي والنضج الجماعي، وفي ظروفنا الحالية ذلك أدعى إلى مجتمع مدني نشط وحرية فكرية تسمح باختراق آفاق جديدة من الفكر ولو كانت غير متوقعة أو مستهجنة حاليا.  والناظر إلى حالنا في العالمين الإسلامي والعربي ليرقب أن الشرخ بدأ منذ تغيرت مقاربة تشكيل الدولة من التركيز على الفرد ومركباته (من أسرة ومجتمع ومؤسسات أخرى) والسلطة المستمدة من صلاح قيمه واستقامته إلى التركيز على الحكام وصفاتهم وجعل نظام الحكم وإدارة شؤون الدولة يتمحور حول شخوصهم ، مما أفرز قوالب سياسية لفروقات طبيعية كرست من هوتها البينية، وأطلق أيدي هذه الشخوص وبطانتهم في كيفية إدارة شؤون الشعب ومصالحه ، كون أنهم أصبحوا مسؤولين عن تشكيل الدولة أو في الغالب أصبحوا هم الدولة، وبذلك غاب الإنسان الذي من أجله أنشئت الدولة، وأصبح وسيلة لا هدفا.

 

إن الدولة المدنية دولة لا تُحكم من قبل فقهاء في الشريعة ولا من قبل ضباط العسكر، بل تٌحكم من قبل الأمة أو الشعب مباشرة من خلال أفراد مدنيين راشدين أكفاء أمناء وبعقلية موضوعية تدير الموارد المتاحة من مال وبشر (فقهاء وعلماء وضباط وغيرهم) وضمن سلطة مقيدة وسلوكيات بيّنة هم والشعب تحت سيادة القانون وحكمه.  ويبقى دور الفقهاء والمفكرين في إصلاح الشعب واستقامة قيمه، بالإضافة إلى حماية الدين ومعتقداته من التوظيف السياسي الذي جعل الإنسان سخرة لمآرب غير حميدة.

 

وعودا إلى حديث التجارب لأنها أبلغ في تقليب النظر ونقل العبر، فالتجربة البريطانية وإن أرادت أن تفصل الدين عن الدولة إلا أن منشأ هذا الربط كان توظيف الدولة للدين؛ مما أخل بنجاعة الفصل في بلوغه وجهته، والنتيجة أن الفصل لم يكن تاما وبرزت معه مؤسسات دينية تسعى إلى تسجيل مواقف واستقطاب شعب يتزايد ابتعاده عن الدين في شكله الرسمي المعروف.  أما فرنسا فدولة خشيت من تغلغل الدين مرة أخرى في النسيج السياسي وأرادت نسخه قدر استطاعتها من خلال تمكين ما أسمته باللائقية؛ ولذلك منذ نشأة الجمهورية وهي تسعى إلى فصله فصلا وتقييده تقييدا ونبذه كلية من المجال العام، والنتيجة اضطهاد الخطاب الديني.  والتجربة الفارقة في رأيي هي التجربة الأمريكية (مع جملة من التحفظات لا مجال لذكرها هنا)، فمع محاولة الفصل التام للدين عن الدولة خاصة في المجال العام، فلابد من الوعي بأن هذا الفصل كان من قبل المتدينين الذين كونوا الآباء الأول والذين أدركوا من تجارب الدول السابقة خطورة المزج بينهما بالكيفية التي ظهرت، وأرادوا للحرية الدينية أن تبقى دون تهديد، وأرادوا للدين أن يبقي على دوره كمقوم للذات ومنبع للقيم الفردية منطلقين من قناعة أن الدولة لا يمكن أن تراقب الجميع أو توجه فكره بل إن صلاح الدولة واستدامتها ينبعان من صلاح الفرد وإرادته السوية المرتبطة بحريته. وكانت النتيجة تغييب تام للمؤسسات الدينية على المستوى السياسي، وفي المقابل برز على المستوى الفردي الخطاب الديني بوضوح وتعلق أوضح بالدين، ومن بين مؤشراته ارتفاع نسبة المتدينين أو من عبر عن اعتناقه لمعتقد ديني مقارنة بأمثالهم في أوروبا والمملكة المتحدة، ناهيك عن ارتفاع معدلات الأوقاف والمساهمات في المؤسسات المدنية الخيرية منها أو الدينية.

 

أما في دولنا العربية التي يفترض أنها إسلامية (فيما عدا واحدة أو اثنتين) فالدين والمعتقد اقتصر دورهما وللأسف على أن يكونا وسيلة للتأثير أو سببا للتمييز أو منصة لتسجيل موقف أو شريعة للمتشدقين للوصول إلى قلوب العامة.  ومن خلال كل هذا أتساءل أي هذه التجارب أقرب إلى الدولة المدنية الأولى آنفة الذكر؟  أي هذه المقاربات أوفق في الوصول إلى دولة تمنحنا الدين والدنيا؟

 

 

 * باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com