حرية الكلمة بين الممارسة والمسؤولية

عقدت جمعية الكتّاب والأدباء مؤخرا ندوة حول ” حق التعبير والتجمع السلمي بين ” النص والواقع ” . وشارك في الندوة عدد من الكتّاب والمهتمين والقانونيين بتجاربهم وبرؤاهم ومداخلاتهم. ورغم أن ورقة الخبير القانوني خليفة الهنائي تعتبر إحدى أهم المداخلات في موضوع الندوة حسب رأي العديد من الحضور والمدونين الإ إنها وحسب وصفهم لم تلقى الوقت الكافي للحديث عنها وبكامل تفاصيلها. البلد تلتزم بنشر الورقة تأكيدا منها على مبدأ حق المعرفة.

خليفة الهنائي – مستشار قانوني – يأوصى بضرورة إجراء تعديلات في قانون الجزاء

أولا: مقدمة:

  • حرية التعبير حق يؤدي تحجيمه إلى نتائج سلبية للغاية, ويجب التفريق بين هذا الحق وبين ارتكاب الأفعال المحظورة التي جرمها القانون.

  • الوقوف في وجه حرية التعبير سواءً بإصدار تشريعات تضيّق مساحة الحرية, أو بتطويع النصوص القائمة وتحميلها تفسيرات لا تحتملها, يؤدي إلى نتائج تفوق أضرارها حجم الضرر الناشئ عن التعبير السلبي, وذلك على المدى البعيد, كما إن عدم محاربة الرأي الخاطئ بالرأي الصائب, ومقارنة الحجة بالحجة يرسخ الرأي الخاطئ ويزيد من عدد أتباعه حتى وإن لم يتم التصريح به.

  • التعبير عن الرأي والفكر يشمل كل وسائل التعبير الكتابية والشفوية والرسوم واستخدام الوسائل التقنية الحديثة والتظاهر, والحد من أي وسيلة من هذه الوسائل يعد انتهاكا لهذه الحرية,.

  • تتجلى مشكلة التشريع المضيقة للحريات بصورة أكبر فيما تعكسه من صورة سلبية عن مساحة الحرية في البلاد.

  • عدم التطبيق الصحيح للقانون يقود في بعض الأحيان إلى استصدار تشريعات لا حاجة إليها.

  • ليس مناسبا أن يكون التشريع هو الملجأ المباشر لمعالجة المشكلات  الطارئة, كما حدث في مادة التجمهر والتعديلات التي طالت قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بمواد الضبطية القضائية والحبس الاحتياطي.

  • سأسعى لتقديم مادة تبيّن الإشكالية التي نتجت عن التعديلات التشريعية وكيفية معالجة ما عليها من ملاحظات.

ثانيا: حق التعبير بين المسؤولية والممارسة.

  • حرية الرأي والتعبير من أهم الحريات العامة والتي لا يصح مصادرتها.
  • التعبير لا يمكن اختزاله في القول أو الكتابة, بل يشمل كل وسيلة من وسائل التعبير, بما في ذلك الرسوم والصور والتظاهر والامتناع عن القول أو الفعل.
  • لا يعد من قبيل حرية التعبير انتهاك حرمات الأشخاص أو تجاوز القانون.

  • افتراض إخلال أي فئة أو فرد بالنظام العام من قبل أي سلطة لابد له من معايير محددة وضوابط لا تؤدي إلى استغلال هذا المفهوم استغلالاً مطلقا بما يؤدي لتقييد الحريات العامة.
  • سلطة التحقيق ممثلة في الادعاء العام هي سلطة مستقلة؛ بما مفهومه عدم خضوعها لأي توجه أمني تعتنقه السلطة التنفيذية, وباستقلالها فإنها هي من يوجه السلطة التنفيذية لضرورة احترام القانون وتأويلاته المتجردة من أي ميل أو شطط.
  • المحاكم هي الدرع الحصين لإلزام الكافة باحترام القانون, والسلطة القضائية مستقلة استقلالا تاماً بما يضمن تطبيق العدل في أجلى صوره.
  • حرية الفكر تضمن تمكين الشخص من اعتناق الأفكار السياسية والاجتماعية والقانونية والثقافية والعلمية والفلسفية والنظريات والاتجاهات, مع حقه بالتفكير بالطريقة التي يراها, وأن يرفض اتجاهات المجتمع السائدة. ” حقوق الإنسان ” أ.د. سهيل حسين الفتلاوي ط. دار الثقافة ص 154.
  • إعلان طهران للأمم المتحدة الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في طهران عام 1968م أكد على حق الفرد في المشاركة في حياة بلده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

  • التجاوز في التعبير بمختلف صوره عالجته مواد قانون الجزاء ولم يكن مهماً إضافة تعديلات تشريعية على موضوع التعبير عن الرأي الأمر الذي أدّى إلى قيام استنتاجات تقول بتضييق الحريات ومصادرة الفكر وفقا للتعديلات التشريعية الأخيرة.

ثالثا:  الحبس الاحتياطي :

  • الحبس الاحتياطي سلب حرية المتهم مدة من الزمن تحددها مقتضيات التحقيق ومصلحته وفق ضوابط قررها القانون. ” د. حسن بن صادق المرصفاوي, الحبس الاحتياطي وضمان حرية الفرد في التشريع المصري , 14954 , ص 35 “
  • لا عقوبة بغير حكم قضائي بالإدانة .
  • لا يصح أن يأمر المحقق بالحبس الاحتياطي إذا كانت لديه بدائل كافية يتخذها في مواجهة المتهم.

  • من عيوب الحبس الاحتياطي :

أ‌-         يناقض قاعدة أن الأصل في الإنسان البراءة.

ب‌-   يوقف النشاط المهني للمتهم ويفصله عن حياته العامة.

ج- قد يسبب صدمة نفسية خاصة في حالة الحكم بالبراءة.

د- فيه مجال لإساءة الاستعمال إذ يمكًن المحقق من الضغط على المتهم               للحصول على اعتر افه.

هـ – يؤثر سلبا على القاضي في تقدير العقوبة.

” شرح قانون الإجراءات الجنائية د. محمود بن نجيب حسني ج1 ط4 2011, دار النهضة العربية ص 656.

  •  علة الحبس الاحتياطي:

أ‌-        الاحتياط لاحتمال فرار المتهم.

ب‌-   الاحتياط لاحتمال تشويه أدلة الاتهام.

   ج-  منع ارتكاب جرائم جديدة.

   د- منع أهل المجني عليه من الانتقام من المتهم.

           هـ – وسيلة لمنع فرار المتهم عند صدور الحكم.

             ” المرجع السابق ص 656 بتصرف “.

  • مجال الحبس الاحتياطي في السلطنة الجنايات والجنح المعاقبة عليها بالحبس وفقا للمادة (53 إجراءات جزائية) بينما ضيًق قانون الإجراءات الجزائية المصري مجال الحبس الاحتياطي بتعديله المادة (134) من القانون في عام 2006 وجعله في الجنح التي تقل عن سنة.

” المرجع السابق ص 657 “

  • من شروط الحبس الاحتياطي :

أ‌-    اقتضاء مصلحة التحقيق منع المتهم من الفرار أو من التأثير في سير التحقيق.

ب‌- استجواب المتهم.

  • من بدائل الحبس الاحتياطي :

أ‌-    أمر المتهم بعدم الخروج من المسكن.

ب‌-             إلزام المتهم بتقديم نفسه لمركز الشرطة أوقات محددة.

ج‌-              منع المتهم من ارتياد أماكن محددة.

  • مدة الحبس الاحتياطي : ( 45 إجراءات )

–      الادعاء : سبعة أيام يجوز مدها لثلاثين يوماً, وفي جرائم الأموال العامة والمخدرات والمؤثرات العقلية: 45 يوماً

–      الادعاء بواسطة المحكمة: 15 يوماً تجدّد لستة أشهر.

–      المحكمة: لمدة 45 يوماً يجوز تجديدها لمدد أخرى.

  • لعضو الادعاء الأمر بمنع المتهم من الاتصال بغيره من المسجونين وألا يزوره أحد, دون الإخلال بحقه في الاتصال بالمدافع عنه. (مادة 57 إجراءات).

  • المادة ( 58 إجراءات ) توجب سماع أقوال المتهم قبل اصدار أي أمر بحبسه احتياطيا أو بمد الحبس الاحتياطي, ووجوب سماع أقواله خلال 24 ساعة من وقت القبض عليه.

  • مادة (63 إجراءات) أجازت لعضو الادعاء الأمر بالإفراج عن المتهم متى   وجد أن حبسه لم يعد له مبرر, أو أنه لا ضرر على التحقيق من إخلاء سبيله, ولا يخشى فراره, والأصل أن يكون الأمر هنا واجبا وليس جائزا.

  • المادة (31 إجراءات جزائية) وسًعت في أفراد مأموري الضبط القضائي ليشمل:  ضباط جهات الأمن العام والرتب النظامية الأخرى بدءاً من رتبة جندي. هذا التوسع يشكل خطرا في جانب التطبيق العملي, ويجعل الحالة العامة مشابهه لقانون الطوارئ بما يلزم معه إلغاء هذا النص.

رابعا: التجمهر:

 

  • تناولت المادة (137 جزاء) موضوع التجمهر إذ نصت الفقرة الأولى من المادة:

” يعاقب بالسجن من شهر إلى سنة وبغرامة لا تجاوز مائتي ريال كل من اشترك في تجمهر مؤلف من عشرة أشخاص على الأقل, بقصد الإخلال بالنظام العام.

وإذا استخدم العنف أثناء التجمهر يعاقب الفاعل بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة ريال “

هذه المادة تعد مصادرة لحق الأشخاص في التجمع السلمي للتعبير عن الرأي, ويمكن إساءة استخدامها بحيث تمتد إلى كل تجمع تهدف سلطة الاتهام إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أشخاصه, إذ أنها لم تضع ضابطا لهذا التجمهر سوى الإخلال بالنظام العام , وهذا مصطلح واسع تختلف الاجتهادات والتفسيرات بشأنه.

خامسا: الخلاصة:

 

أوصي بالآتي:

أ‌-       إصدار تعديلات على قانون الإجراءات الجزائية تحدّ من صلاحية الادعاء العام في استغلال الحبس الاحتياطي كعقوبة بحيث تبقيه في الجانب العملي إجراءً من إجراءات تقييد الحرية التي يستلزمها التحقيق دون أي تجاوز لضوابط هذا الحبس.

ب‌- عدم التوسع في تفسير النصوص القانونية الجزائية لأن الأصل في مواد التجريم عدم القياس عليها وأن الشك فيها يفسر دوما لمصلحة المتهم.

ج‌-   ضرورة تطبيق مبدأ حرية الفكر والتعبير عنه مع عدم الخلط بين الوقائع التي تشكل جريمة كالجرائم التي انتهكت شخص السلطان والتي اتفقت الأغلبية على رفضها , وبين ممارسة فئة معينة لحق التظاهر تعبيراً عن الرأي مهما كان هذا الرأي مخالفا لتوجهات السلطة.

د‌— تعديل المادة (53 من قانون الإجراءات الجزائية) بحيث تتبع التشريع المصري الذي جعل الحبس الاحتياطي في الجنايات وفي الجنح المعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن سنة.

هـ – اختزال مدة الحبس الاحتياطي التي تناولتها المادة (54 إجراءات جزائية) بحيث لا تؤدي إلى مساواة الحبس الاحتياطي بالعقوبة بل وتفوقها في بعض الأحيان وفقا للتشريع القائم.

و- تعديل المادة (57 إجراءات جزائية) برفع الحظر عن المحبوس احتياطيا فيما يتعلق بزيارة أهله له  وباجتماعه بباقي المسجونين ؛ لأنه لا مبرر لهذا المنع , ولكونه منافيا لحقوق الإنسان, وبالإمكان اقتصار ذلك على جرائم محددة يتصّف مرتكبوها بالخطورة كجرائم القتل على سبيل المثال.

ز- تعديل المادة (63 إجراءات جزائية) بجعل أمر الإفراج عن المتهم المحبوس احتياطيا واجبا فيما لو لم يوجد مبرر لهذا الحبس, وثبت عدم وجود ضرر على التحقيق في حالة إخلاء سبيل المتهم , ولم يخش من فراره.

ح‌-إلغاء البند الثالث في المادة (31 إجراءات جزائية) والتي منحت ضباط جهات الأمن العام والرتب النظامية الأخرى بدءاً من رتبة جندي سلطة مأموري الضبط القضائي.

ط – إلغاء الفقرة الأولى المتعلقة بالتجمهر لأنها تعتبر مصادرة لحرية التعبير عن الفكر والرأي.

* من ورقة المستشار القانوني خليفة الهنائي في ندوة  حق التعبير والتجمع السلمي ” النص والواقع “. مسقط، 16 سبتمبر 2012