حدود الإساءة

تحفل الأدبيات الرسمية الحكومية بالعديد من الأوصاف التي تصف حقبة السلطان سعيد بن تيمور بالظلامية والتخلف وبالحقبة الطاردة، فهل بإمكاننا أن نسمي تلك العبارات إساءة للسلطان الحالي بصلة النسب المباشر؟

يحضرني هذا التساؤل في ظل الاضطهاد الذي يعانيه المعتقلون في السجون بسبب كلمات، مهما بلغ حدتها وسوئها الذي قد نختلف في قراءته عميقاً أو بطريقة سطحية، لكننا بالتأكيد سنتفق على شجب طريقة التعامل الأمنية معه، تلك المعاملة التي استخدمت أسلوب القمع والتعسف والتشهير والتحريض، سواءاً في مواقع الانترنت التي تدار أمنياً أو في الجرائد وأجهزة الإعلام المختلفة التي زادت طريقتها من تشويش الوضع بأخبار مقتحمة مجزأة لا تستحضر الصورة الكاملة للحدث، وبكم هائلٍ من الإشاعات المنتشرة والتصرفات الفردية التي لن تكون نتيجتها بأي حالٍ من الأحوال إلا زيادة خطورة الإساءة ونوعها وتهديداتها، خاصة على فكر الأجيال الجديدة الشابة البناءة.

إبراهيم سعيد – للتواصل مع الكاتب: ebrahimsea@gmail.com

الإساءة الأخطر هي الاساءة للبلاد، والتي هي المقاس الأساسي الذي تقاس بناءاً عليه أيةُ إساءة أخرى، وهي التي توضع بناءاً عليها القوانين والأنظمة.

الشباب يقولون كلماتٍ غاضبة على الانترنت وشبكات التراسل، لكن لماذا؟ هل لأنهم بلا وظائف؟ لا يبدو ذلك فمعظمهم معلمون ومهندسون وتقنيون وفنانون ومبدعون ومثقفون وكتاب،  لا ينقصهم التعليم ولا التهذيب، ولهم ما يشهد في أوساط المجتمعات التي جاؤوا منها بحسن السيرة والأخلاق، فلماذا إذن يقولون الكلمات المسيئة؟! لنبحث معا عن الجذور ولنطرح السؤال بشكلٍ صحيح، لا متحامل ولا غاضب: لماذا؟ كي نعرف السبب.

فإذا اتفقنا جدلاً  على وجود علة بارزة اليوم في هذا الحدث التي تستمر حلقاته لما يزيد الآن عن شهرين فكيف يفترض علاج تلك العلة؟ هل  نرسل لها قوة تضربها؟! وبياناتٍ تهددها؟ وإذا كان هذا جرحاً فهل نعاقب الجرح أم نداويه؟ وإذا كان آخر الدواء الكي فهل نبدأ الكشف الطبي بالكيّ؟! إذن سينفر المريض، وسيخفي بشدة وعنفٍ علتهُ ومرضه، ويعدي بها باقي المجتمع القابل للعدوى.

وإذا كانت هذه الشتائم علة عقلية في فكر الشباب المعاصر عبر التهجم اللفظي على رأس الهرم السياسي اليوم فكيف يمكن معالجة هذه العلة؟ بالسجن؟ بالأحكام القاسية؟ بالاتهامات القانونية؟ بالقوة؟

وما النتيجة من كل ذلك؟ الأمان الظاهري أم الأمان الحقيقي؟!

الكلمات المسيئة التي يحاكم الشباب ويتهمون بسببها قيلت وسط جمل، إثر حوار، ليست تلك الجمل إلا نتيجة جملٍ سبقتها وكلام بنيت عليه، وكي نعرف كيف جاءت تلك الكلمات علينا أن نراجع سياق الكلام بأكمله، لا أن نجتزئ الكلمات على غرار (لا تقربوا الصلاة)

وإذا عدنا للسياق لوجدنا السياق سياق شكوى، وتذمر، ردات أفعال غاضبة وليست فعلاً تأسيسياً، شكوى من أخطاء محددة بعينها، تلك الأخطاء تقدمها قراءة وزاوية نظر مختلفة لكنها منتشرة، تقوم كردة الفعل الطبيعية المضادة للخطاب الحكومي الذي يضع كل الحسنات في صالح رأس الهرم، ويضخمها، وبالتالي تقوم هذه النظرة بإلقاء كل السيئات على عاتق رأس الهرم نفسه.

هي نظرة شبابية مختلفة لكنها منتشرة وشعبية، تغدو فيها المنجزات الضخمة هزيلة في أعين الشباب، وقد نتسائل بلغة جيل مختلف: لماذا لا ينظرون إلى ما تحقق من خير وجمال وحسن وتحضر ومدنية بعين التقدير والامتنان والتجاوز عن الهفوات البسيطة والصغيرة؟ هل جعلتهم الأخطاء التي يراها البعض مجرد نقاطٍ سوداء ونصفاً خاوياً من الكأس يكفون بصرهم عن الثوب الأبيض والنصف الممتلئ؟

هل هم سوداويون في نظرتهم ومتشائمون من المستقبل؟ أم أن طموحهم واسعٌ جداً وأملهم كبير؟ وحبهم لبلادهم يدفعهم كي يغضبوا من تكبيل قدرات البلاد؟ يريدون تحفيز البلاد واستفزازها بالقوة لتعطي الخير للجميع، كي يتمكن الجميع بالتالي من فعل الخير، ولتنبت في المحصلة شجرة الخير في الأرض وتمد جذورها وأفرعها لتظل الجميع، كرماً وجوداً وإحساناً من طبيعة آسرة الجمال والتكوين والتنوع والاختلاف والعطاء والخصوبة.

أرضٌ أعطتنا وأخرجت خيرها للجميع، طاقة هائلةٌ لم تنضب منذ قرون مديدة وعديدة وحقبٍ خلت وبادت، وتواريخ صارت طي النسيان والاندثار منذ آلاف السنين، مكانٌ أعطى بكرمٍ منقطع النظير ثرواته المختلفة والمتنوعة لأهله. وللعالم، حتى انقرضت تلك الثروات، ويكفي أن نشير عرضاً للحياة البرية التي انقرضت من عمان، والتي كانت بضاعة يتم تصديرها عبر الموانئ إلى مختلف أنحاء العالم، وتكفي الخيول العربية كمثال نستعيدهُ بحزنٍ شديد، لكنها أرضٌ كريمة ما زالت تعطي الأحفاد الذين هم هذا الجيل الغاضب، مثلما أغدقت على آبائهم، وردّت أجدادهم من المنافي. كل عشرة أعوام جيلٌ شابٌ جديد يأتي، وإذا كانت الأجيال الجديدة هي الأحب على قلوب الأجداد فما هكذا يعامل الأحفاد.

كان الأوجب الحكمة لا القوة، والرأي لا الغضب، والتفكير بما بعد الحدث وبأثر الفعل على الأرض، ما هكذا نوصل الرسالة الحضارية للأجيال الجديدة، ولا كذا نسلمهم الأمانة ونشجعهم على النهوض بها والحرص عليها. ومثلما بني هذا البلد بالتعليم والحضارة، فكذلك يحرس في الحاضر والمستقبل بالعلم والمعرفة والرقي والحضارة.

 

 

5 تعليقات

  1. أنا أتفق مع الكاتب في جانب وأخالفه في جانب. فالحوار الواعي ومن المثقف الحقيقي يجب أن يكون علميا وموضوعيا. والجاهل له حساب آخر. أما العقوبة فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من أمن العقوبة أساء الأدب. وكل دول العالم لديها رقابة على الإنترنيت وأيضا قوانين تعاقب على الإساءة حسب ظروفها ومعاييرها. وأعتقد أن علينا أن نستفيد من هذه الحادثة لنحسّن طريق الحوار بيننا من أجل مصلحة وطننا ونتجنب الإساءات والتسقيط وتشويه سمعة الرجال الذين ساهموا ببناء البلد.
    محمود

  2. عندما يتجاوز الكاتب حدود الراي الحر والمؤثر في تغيير المجتمع ويتحول ذلك الراي إلى شتائم وقحة بحق مؤسس هذه الدولة والخروج بها من عدم التخلف نعم يستحق ذلك الكاتب ان يردع … تركوا لهم الميدان حرا فاخذوا بدلا من الباع ذراعا ترى ماذا تعمل لهم السلطات هل تصفق للوقاحة والتجاوز ات التي تزداد يوما إثر يوم … واي الدول تخلو من نواقص ؟؟؟؟ نعم لهم الاحترام ولقائد هذه البلاد احترام مضاعف عليهم التقيد به ولايتوجه الطعن مباشرة للسلطان انصفوا لتنصفوا .

  3. ان ما نعيشه في هذا الوقت هو عاكسا لما حدث في الاربعين عاما … لو كانت الامور تمشي كما يجب لما وجدنا هذا النوع من الشباب يخرج …
    .
    .
    ….و ( لا يستقيم الضل والعود اعوج )

    شكرا استاذي إبراهيم سعيد على هذا المقال الرائع والذي اوافقك فيه مئة بالمائة

  4. ان ما نعيشه في هذا الوقت هو عاكسا لما حدث في الاربعين عاما … لو كانت الامور تمشي كما يجب لما وجدنا هذا النوع من الشباب يخرج …..
    ….و ( لا يستقيم الضل والعود اعوج ).

    شكرا استاذي إبراهيم سعيد على هذا المقال الرائع والذي اوافقك فيه مئة بالمائة.

  5. ان ما نعيشه في هذا الوقت هو عاكسا لما حدث في الاربعين عاما … لو كانت الامور تمشي كما يجب لما وجدنا هذا النوع من الشباب يخرج …..
    ….و ( لا يستقيم الضل والعود اعوج ).

    شكرا استاذي إبراهيم سعيد على هذا المقال الرائع والذي اوافقك فيه مئة بالمائة.

Comments are closed.