حافة الهاوية

 

(هذا هو مقالي الأخير الذي سأكتبه في قضايا الشأن العام، من بعدها سأتوقف تماما عن الكتابة العامة، ربما أكتب قصصا ومسرحيات، وربما همسات أدبية، لكنني سأتوقف، وسأتفرج، لن أتفوه بكلمة، وسأنتظر…)

هلال البادي – للتواصل مع الكاتب: hilalb1978@gmail.com

 

 

من بيده القلم لا يكتب نفسه شقيا، مثل دارج يستخدم عند رؤية من يملك السلطة ويفعل بها ما يشاء.. هو الأمر ذاته ينطبق الآن على ما يحدث في بلادنا، فأجهزة الأمن تمتلك السلطة الكافية لتفعل ما تشاء، للدرجة التي نعتقد فيها أنها أيضا تستطيع امتلاك الإعلام الذي خلنا لوهلة بانه يمكن أن يتحرر من ربقة السلوكيات القديمة ويقدم شيئا مفيدا للمجتمع العماني التواق فعليا إلى إعلام موضوعي ونزيه ويسعى إلى تنمية الإنسان من داخله، لا أن يكون ماكينة علاقات عامة تلمع منجزات بتنا ندرك في الغالب الأعم أنها ليست كذلك، بل بأن قصورا كبيرا يعتريها وفسادا في حالات كثيرة

الأجهزة الأمنية كان بإمكانها أن تدير الأمور لصالح عمان الغد وليس لصالح عمان اليوم، وأن تقول لمن أساء: أنتم أسأتم وتستحقون العقاب، ولكن دون أن يداس على القانون، دون أن يكسروا الصورة الجميلة لعمان، التي أثبتت في مرات كثيرة أنها تطبق القانون بشكل جيد، ولا تحتاج إلى أن تخالفه كما حدث في أمر اعتقال من تم اتهامهم بالإساءة، ثم بعد أن يتم النطق بالحكم تعمد إلى إساءة أكبر ليس لشخوص المتهمين بل لمجتمع بأكمله عندما تنشر صور المدانين وبطريقة اخترقت أيضا القانون ووضعته جانبا

بعضنا قال: ربما كان خطأ إعلاميا من الصحف، وبأننا في زمن الحريات يمكن لنا أن نتحرر قليلا من بعض القيود التي تم وضعها سابقا بدعوى حماية المجتمع، وهي نظرة بالمناسبة ليست سيئة إذا ما كانت اجتهادا إعلاميا خالصا، لكننا ندرك أنه ليس اجتهادا ولا يحزنون.

هذا الخطأ عالجته إحدى الصحف بمقال سماه البعض اعتذارا، والبعض الآخر لفا ودورانا على صلب القضية، لنكتشف بعد عدة أيام أن من كتب تلك الكلمة ومن يعمل في تلك الصحف لا حول لهم ولا قوة، فأمر النشر مفروغ منه لأهداف بتنا ندركها تماما من قبيل معاملة المسيئين بإساءة هي أشد وطأة، ومن قبيل القول لأهالي هؤلاء الشباب وأسرهم وقبائلهم بأن أحسنوا تربية أبنائكم، وكأننا ما زلنا في زمن الأبوة الذي يفترض بالمرء أن يجل أباه وإن كان في الستين!

ومن قبيل أن لا كلمة مؤثرة لأرباب القلم الذين دافعوا ظاهريا عن من أساء، فيما باطنا كانوا يدافعون عن فكرة النظام والقانون واحترام الإنسان

ما الذي يجعل عمان مختلفة اليوم عن بلاد أخرى؟ إنها حتى وقت قريب جنة كل من يريد العيش بسلام، ولكننا بتنا نشك في هذا السلام وفي هذا الأمان بسبب من هذا التخبط الأمني وهذه الروح الانتقامية التي باتت واضحة المعالم الآن

ثم من يخسر عندما تشق وحدة الصف العماني؟ أليس الغد؟ أليس أبناء هذا البلد؟ ألسنا نحن من نخسر؟ كل أبناء عمان يخسرون عندما يفقدون مستقبلهم، عندما يقفون على حافة الجرف، الهاوية، ويكادون أن يسقطوا فيها، ويكفي لو تزحزحت قدم أحدهم لجرت كل الأقدام إلى تلك الهاوية

هل نريد أن نصل إلى هذه المرحلة؟

لا أظن أن أي عماني يريد ببلاده سوءا، وسأعتقد بأن أجهزة الأمن تقوم الآن بما تراه صائبا، ولكن فلتتحملوا وجهة نظرنا أيضا، بل عليكم أن تتلقوها بكل ترحاب، إذ ربما تفتح لكم أفقا جديدا في التفكير، فليس كل ما يقال يمكن وضعه تحت بند الإساءة، أو التحريض، بل قد يكون كلاما يصب في صالح البلاد

إذن فلتسمحوا لي أن أقول بأن هذه الخطة التي تعملون بها هي خطة قصيرة المدى، ولن تخدم البلاد كثيرا.. كان ينبغي أن تفكروا في توليف العمانيين على قلب واحد، لا أن تقسموهم كي تسهل مهمتكم، كان عليكم أن تفكروا أن واجبكم هو التفكير الجدي في السنوات العشرين المقبلة عندما ينفد النفط، وعندما نجد أن العالم من حولنا تعدانا بمسافات ضوئية. انصرفوا للتفكير في الأمن الاقتصادي لهذه البلاد، قبل أن تفكروا في إحكام قبضتكم على أفئدة الناس، فصدقوني كل المحاولات الجارية لن تجدي نفعا في عالم متغير كالعالم الذي نعيشه اليوم

وبكل تأكيد أنكم سألتم أنفسكم: ما الذي أوصل شبابا صغارا في السن إلى مرحلة تشبه الهذيان؟ فأساء كثير منهم؟ لابد أن هناك أسبابا تعوها جيدا، ولكن هل يمكن أن تضعوا لها حلولا؟ ربما أنتم منشغلون الآن في الحل الآني، ولكن التجارب الكثيرة تؤكد أن الحلول الآنية لا تصمد طويلا في وجه شباب يحلمون بأوطان جميلة، يحلمون بأنفسهم أنهم يحققون طموحهم. كثير من هؤلاء الشباب يتحسر على وضع بلاده بين العالمين، وبأن شبابها لا يجدون فرصهم في حياة كريمة، لا يجدون الفرصة لإبراز طاقاتهم الكبيرة التي توازي طاقة أي شاب في العالم يقدم إنتاجا يساوي أضعافا مضاعفة ما يقدمه شاب عماني في نفس المرحلة

طبيعي جدا أن يتحولوا إلى السلبية، عندما يجدون أنفسهم في وضعية كهذه، وطبيعي جدا أن تجدوا أنفسكم تتساءلون: ما الحل؟ لكن صدقوني حلولكم الحالية ليست صائبة تماما، لذا عليكم أن تفكروا أكثر، إن كانت عمان هي همكم، وإن كان الشعب العماني هو هدفكم

من المؤكد أن أهدافكم الحالية ستتحقق، مع بعض الفشل الجزئي، ولكن تأكدوا أن الفشل الحقيقي لن يأتي اليوم، ولا غدا، ولا الشهر المقبل أو العام المقبل، بل بعد حين. ساعتها ـ أرجوكم ـ لا تفكروا كما أنتم تفكرون الآن، لأن تفكيركم الحالي لن يحل شيئا، بل سيفجر ـ ربما ـ البلاد بأكملها.

 

11 تعليقات

  1. العزيز هلال
    تم نصح هذه الأجهزة عن القمع والتعسف ضد المواطن المسحوق منذ حوالي أربعة عقود ونيف لكن هذه الأجهزة ت الأمنية ترى ما تبذله من جهود كلها تصب في مصلحة الشعب هذا في نظرهم وما تربوا عليه طوال هذه السنين العجاف التي مر بها المواطن العماني المغلوب على أمره من فقر مدقع وتهميش وغير ذلك ، والأجهزة الأمنية لا زالت كما هي عليه لكن في نظري بأن هذه الأجهزة عملها يصب جميعه لصالح الفاسدين والمتنفذين واللصوص الذين نهبوا خيرات هذا الوطن وأستباحوا حرماته وما هذه الإعتقالات إلا دليل على القمع والتعسف وإخراس الأفواه وتكميمها تناسوا الربيع العربي الذي حل في البلدان العربية وأطاح برؤوس فاسدة حتى النخاع .
    دمت سيدي سالما

  2. العزيز هلال:

    ربما لو أن الأجهزة الأمنية أكتفت بنشر أسماء هؤلاء وصورهم، لكان ذلك كفيلاً بتأليب الرأي العام ضد أولئك الشباب – لأن أغلب أفراد المجتمع سيفكر بأن تلك الفئة من الشعب هي مجرد مجموعة غوغائية مجهولة و لا تهدف سوى للفت الإنتباه وإثارة الشغب، ولكن الذي حدث أن المجتمع العماني بأسره -ومن خلال نشر سنة الميلاد والمؤهل العلمي الذي يلفت إليه الإنتباه بقوة- والوظائف التي يقدرها المجتمع ويحترم ممتهنها- بات يدرك بأن أولئك ليسوا كذلك، هم شباب ينتمون للنخبة المثقفة المفكرة، ولا شك أن هناك أسباباً دعتهم للمجاهرة بما يعتمل في صدورهم من خيبات ، ربما بطريقة ليست هي الأفضل – ولكنهم أختاروا أن يصدحوا بأصواتهم لعلها توصل صداها للوطن بأسره، هم يعاقبون الآن، ولكن الرأي العام في ظني لن يكون ضدهم في أغلبه، إن لدينا جميعا كثيرا من الأماني والتطلعات لهذا البلد الحبيب. ولدى الكثير منا أصواتاً تختنق من الخوف على حبس الحريات نتيجة للمجاهرة بالأمنيات. … إن عمان منقسمة بشدة الآن مع وضد .. وليس هناك من يستطيع أن يجزم هل سنكون أفضل في القادم من الأيام!

  3. اخي هلال هؤلاء عندما كاننوا يسيئون كانوا يتباهون باسماءهم وهم ينشرون اساءاتهم وهم معروفين….فجاء القانون هنا ليقول لهم انكم كما أسأتم باشخاصكم وصوركم الحقيقية كذلك سيكون الحكم عليكم علانية وعلى رؤوس الاشهاد وبها يطبق مبدأ الجزاء من جنس العمل….صدقني عمان بخير وهؤلاء ليسوا الا فئة نتمنى لهم الصلاح في قابل الايام.

  4. اخي هلال هؤلاء عندما كاننوا يسيئون كانوا يتباهون باسماءهم وهم ينشرون اساءاتهم وهم معروفين….فجاء القانون هنا ليقول لهم انكم كما أسأتم باشخاصكم وصوركم الحقيقية كذلك سيكون الحكم عليكم علانية وعلى رؤوس الاشهاد وبها يطبق مبدأ الجزاء من جنس العمل….صدقني عمان بخير وهؤلاء ليسوا الا فئة نتمنى لهم الصلاح في قابل الايام.

  5. أولا أتمنا تبيع البوش وتربي دياي بدلهن حاول تبعد نفسك عن أمور انته ما تفهمها أصلا وخلالبحر للبحار

  6. اخي العزيز الكاتب هلال الاحهزة الامنية فقط تريد ايصال فكرة للجميع وانها اصمتوا فقط ، اين الذين خانوا البلاد و سرقوا اموال الوطن ؟
    هل لا يوجد من يحاسبهم ؟ لانه كانوا على راس السلطة ،، في عُمان لابد ان اندرك فقط ان القانون يسري على المواطن العادي فقط لا غير
    اما صاحب السلطة لا يوجد له قانون يحاسبة

  7. سؤالي لك يا هلال
    أين انتم عندما سلك هؤلاء طريق السباب والتهكم برمز الدولة؟ أين انتم عندما كانوا يحرضون على الشغب والعصيان وعندما كانوا يكذبون ويزورون الحقائق ..؟؟
    لماذا انبرى مدعي الثقافة للدفاع عنهم بحجة اجراءات التحقيق والتشهير واطلقوا البيانات وصحائف التنديد والوعيد بعد ما اعتقلوا ولم يفتحوا افواههم عندما كانوا يسيئون الى الأمن عام ويسيئون الى شخص السلطان ..؟؟
    سالفة نشر اسمائهم وصورهم في الجريدة الرسمية آلامتكم الان ولم يؤلمكم ما كتب في منتدياتهم والفيس بوك وتويتر التي عليها أسمائهم وصورهم لعالم التواصل الاجتماعي الاكثر انتشاراً من جريدة عمان .
    لماذا تكيلون بمكيالين ..؟؟

  8. حقيقة نحن متبطرون. ونحن فالحون في رمي الكلام على عواهنه. هذا المقال ليس فيه أي دليل على ما يقول الكاتب مع احترامي له مجرد كلمات. نحن للأسف لا نلتزم بالحقائق العلمية في النقاش. لا أدري هل هي مشاعر نفسية؟ أم زيادة إفرازات الأدرنالين؟ أم الانسياق وراء شعارات الآخرين؟ ولكني متأكد من ضرورة التأني والتفكير وأن المعرفة القليلة خطرة. عن أي اضطهاد يتحدث بعضهم؟ وهل يتصورون أن الولايات المتحدة الأمريكية مثلا تسمح لكل واحد أن يقول ما يريد؟ أفلا تقرآون الصحف العالمية لتعرفوا أن دول العالم كلها لها رقابة على الإنترنيت وهناك قوانين للعقوبات بهذا الشأن؟ يرحمكم الله إرحمونا من الكلام الكبير الذي لا يؤدي إلا إلى الإضرار بوطننا العزيز الغالي الذي يجب أن نعمل على تطويره لا بالبطر وإنما بالعلم والعمل. يا جماعة فلنعمل ونعمل بعقلانية ومعرفة ولا نخوض مستنقعات الجهل والانزلاق لمضرتنا. أنظروا إلى الدول العربية الأخرى وقارنوا.
    محمود

  9. العزيز هلال … يقال أن الجزاء من جنس العمل ـ فحين يقع ضرر من اي شخص وجب عليه جبر ذلك الضررـ سواء بالقصاص أو الغرم أو السجن ـ لكن أن تقلع عين شخص ويحكم عليك وعلى أهلك وقبيلتك والمكان الذي ولدت فيه المكان الذي درست فيه والمكان الذي تعمل به بقلع أعينكم جميعا فهذه سابقة لم أشهد لها مثيل.

  10. اذا كان الجزاء من جنس العمل فما فاااائدة القانون او العقوبة التي نص عليها القانون
    واذا كان هذا مقالك الأخير في هموم الوطن فهذا يعني انك نهزمت وقلمك انكسر هذا الوطن يستحق اكثر
    من لايضحي من اجل الحرية لا يستحقها

  11. جاء في الحديث المروي: رحم الله امرءا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم. عمان ترحب بكل كلام فيه خير وبناء ورصد للأخطاء بطريقة علمية موثقة. وأما من يريد الشتيمة والإساءة فخير له أن يسكت.
    محمود

Comments are closed.