تعليم، تنوير، تمكين

 

الدولة المدنية – من وحي اسمها – دولة تعنى بتهيئة الإنسان لأن يعيش مدنيته الذي خلق من أجلها وألا ينصرف فقط لغرائزه الحيوانية المرتبطة بتكوينه الفسيولوجي فيعيش حياة الغاب، وهي أيضا دولة تعنى بتهيئة الإنسان لأن ينتقل من مرحلة البداوة المادية (كالتنقل والاقتصاد الرعوي والزراعي) والبداوة الحسية (كعصبية القبيلة والدم) إلى مرحلة المدنية والعمران الحقيقي بشقيها المادي (اقتصاديات الصناعة والخدمات والحجم والحكومات المنظمة المؤسسية) والحسي (الحريات والمسؤوليات والموازنة بين حقوق الفرد والمجتمع).  ولكي تتحقق الدولة المدنية فلابد من شعب يتطلع إلى مثل هذه الدولة وهذه الحريات ، قادر على تحمل المسؤوليات، ولإن كان أفراد الشعب بالضرورة سيعانون من فروقات وتفاوتات في مستويات الوعي السياسي العام فعلى الدولة المدنية أن تقوم أولا بتعليم هذا الشعب وتنويره وصولا إلى تمكينه.

وعندما نقول تعليمه فإن ذلك لا يعني القراءة والكتابة فقط أو يعني تعليمه ليكون وسيلة إنتاج اقتصادي أو حكومي بل ليكون إنسانا مستقلا بفكره واضحا في وجهته وما يبغيه لنفسه، أي بمعنى آخر أن التعليم يجب أن يكون من أجل بناء شخصية واثقة، وقديما كان مهنة التعليم ترادف التأديب، وتعني غرس الأخلاق (السلوك) منهجا؛ لأن مؤدى الأخلاق : عقل رشيد، نفس مطمئنة، شخصية واثقة، وجسد صحيح.

ولا يخفى علينا جميعا أن الديموقراطية بمعناها الواسع – وهي أساس للدولة المدنية – تحتاج إلى مجتمع متعلم حيث تتضاءل الفروقات الفردية والتعليمية أو على الأقل آثارها سواء من حيث إيجاد المؤسسات أو الوسائل التي تستطيع أن تقلل من آثار هذه الفروقات على تمتع الإنسان بمواطنته وممارسته حقوقه وأدائه واجباته ومسؤولياته، ولا ينبغي علينا كمواطنين أن نركز على جزئية الحقوق والحريات فقط بل علينا أن نقوم بالواجبات والمسؤوليات، وإلا اختلت الموازين ولم نقمها بالقسط.

وعندما أقول بتضاؤل هذه الفروقات وآثارها فإن من جملة ما أعنيه أن نوجد آليات ومؤسسات يستطيع من خلالها المواطن كائنا من كان أن يفند ما يعرض عليه مما تتناوله وسائط الإعلام ومما تتفوه به المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية (المدنية)، وأن يميز بين الغث والسمين، وبين ما هو حجة حقيقية أو توضيح صادق، وبين ما هو خدعة سياسية تروم كسب رضا الناس وتأييدهم وشراء المزيد من الوقت أو ذر رماد في العيون لإشغال الناس.  ولذا فإن التعليم وتجويده والسهر عليه ليست مسؤولية الحكومة فحسب بل الدولة ككل من أفراد ومؤسسات من جميع القطاعات العامة والخاصة والمدنية.  ولا يمكننا أن نستمر في النظر إلى التعليم من منشور الأخطاء التي ارتكبت ، وإن كانت حقيقة واقعة ، بل يجب أن نمعن النظر فيما يمكن تصحيحه وأن نعمل من أجل ذلك على جميع المستويات الإدارية والجغرافية والاختصاصية، وكل هذا سيؤتي أكله لاحقا إن نحن بدأنا الآن بدل اتباع سياسة الترقب والاعتماد على الزمن كترياق، فهو ليس كذلك.

وعودا إلى ذي بدء، مسألة بناء الشخصية، فإن رسالة التعليم عموما والتعليم العالي (سواء المهني أو الأكاديمي أو الاختصاصي) في مرحلة ما بعد الدبلوم العام لا ينبغي أن تقتصر على تكريس المفاهيم أو أدلجة العقول، بل ينبغي أن تكون رسالته التنوير؛ بمعنى إيجاد عقول مستقلة تعين الدولة بدل أن تصبح عبئا عليها في مرحلة لاحقة، وبذا لابد للتعليم أن يغير من نمطيته وسلوكيات القائمين عليه إلى تمكين هذه العقول الشابة من التفكير باستقلالية والبحث عن الخيارات المتاحة والتقرير فيما بينها والسعي وراء غير التقليدي أو النمطي، وبذا يدركون الحكمة وهي ضالتنا.  والحكمة هدف شاق ووجهة بعيدة، لكنها في متناول اليد مهما بعدت إذا ما امتلكنا قدرات ومهارات تمكننا من التمييز بين الخيارات الممكنة والمفيدة واتخاذ ما يلزم لتحقيقها،  وبين الخيارات الصعبة أو غير الممكنة وتقبل صعوبة تنفيذها والبحث عن غيرها.

في حقيقة الأمر، إن التعليم في أساسه سعي وراء تعليم الفرد كيف يصطاد سمكته بدل أن يركض إلى السوق أو أن ينتظرها على مائدته، والتعليم محوره ملكات التمييز بين المعقول واللامعقول، المقبول واللامقبول، الحق والباطل وفق معايير ومنهجية، ولذا فإن التعليم لا يتأتى من خلال الفصول الدراسية فقط، ولا يتم تحصيله من خلال المدارس والكليات فحسب، لأن ذلك سيحولها إلى مصانع لحاملي شهادات تعتمد اقتصاديات الحجم لا الجودة، بل يتأتى التعليم – وأقصد به التعليم لبناء الشخصية الواثقة من خلال البحث والسير في الأرض ومن خلال إشاعة المعرفة والعلوم بشتى أنواعها وجميع أوعيتها من مكتبات ومتاحف ومعارض ومتاحف، وعندما أقول إشاعتها أعني إشاعتها للجميع في كل مكان دون تمييز، فهي حق للمجتمع وللفرد إن نحن أردنا شعبا مشاركا في المسؤولية.

إن مؤسسات التعليم العالي المهنية أو الأكاديمية أو الاختصاصية يجب ألا تحصر نفسها في سلسلة أحادية من العمليات والمهام والإجراءات التي على الطالب أن يمر بها، ولو أن ذلك من الناحية العملية مطلوب لتحقيق المستوى الأدنى من الضمانات الأكاديمية والتحصيلية، لكن من الحري بها ألا يعميها ذلك عن وجهتها الحقيقية: الشخصية المستقلة الواثقة المالكة لمفاتيح العلم والمعرفة وليس بالضرورة محتواها. ما يقلقني كثيرا السيل العارم من الشباب الذي لا يرى في التعليم سوى مرحلة للحصول على عمل، ولا يرى فيه وسيلة لمعرفة نفسه وتحقيق ذاته.  ما يقلقني كثيرا هو الشباب الذي أوجدناه بتواكلنا جميعا دون مهارة التفكير أو دافعية التغيير، على الأقل من نفسه.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

على هذه المؤسسات أن تقدم للشاب فرصة أن يستكشف ما في نفسه من ملكات، وما ينبغي أن يحوز عليه من قدرات ومهارات، وعليها أن تساعد هذا الشاب في استكشاف جماليات العالم وتعدديته اللونية والفكرية وجميع مشاربه، عليها أن تعلمه حسن التفكير والتدبر في عواقب الأمور ونتائج المعطيات وفق منطق.

إن التغيير الذي أنشده في نمطية أساليب التعليم المتبعة حاليا في التعليم عموما والعالي خصوصا لا يعني أن يعيش الشاب فترة إجازة واستمتاع إبان تعليمه العالي فيما عدا فترات الامتحان، بل على العكس تماما، فمن الضروري جدا أن يصقل الشاب في هذه المرحلة بالضغط النفسي تارة، والمطالبات الجسدية المتتالية  تارة أخرى، والتحديات الفكرية والأيدولوجية والاجتماعية تارة أخرى. هي فرصة كما أسلفت لصقل مهارات الشاب وتجهيزه ليحدد مستقبله وما يراه لنفسه ولإدراك تحديات الحياة الحقيقية، فإننا إن مكناه من وضع مساره والسير عليه ليبلغ وجهته كانت تلك الخدمة المثلى للوطن.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com