تساؤلات عن العُزلة العُمانية ..! 1

 منذ عامين وصل بريدي مقالة تتناول الشأن العماني معنونة بـ ” عمان والعزلة السياسية ” لكاتبها السعودي ” عبدالله بن ناصر الخريف ” وأسهب فيها حديثا عن عزلة عُمان على المستوى السياسي وسرد عن محايدتها في قراراتها على خلاف باقي الدول المحيطة ومن هذه السياسة نشأ مبدأ العزلة العمانية ويؤكد الكاتب في سطور مقالته : ” ولم تلفت عُمان النظر إليها مؤخرا إلا بعد عاصفة جونو التي ضربت سواحلها ولفتت وسائل الإعلام لها حتى أن هذا الموضوع أثارني حينما قرأت في البي بي سي العربية : الإعصار يضرب الدولة الصامتة ..! “

ليلى البلوشي – للتواصل: Lailal222@hotmail.com

ومبعث استدعائي لهذه المقالة الآن تحديدا هو أنني منذ فترة قريبة كتبت بعض عبارات تتناول الواقع العماني وكنت عادة اكتب ” ُعمان ” بدون ” سلطنة عمان ” كاختصار حين تخذلني 140 حرفا وفق نظام ” تويتر” التغريدي وكانت تردني تعليقات من بعض الإخوة في دول الخليج والدول العربية وعلى رأسهم أهل الأردن ، ولكن ما فاجأني حقا أن ردودهم لا تتعلق بعُمان بل تتعلق بعمّان عاصمة الأردن إلى أن تم ّ استيعاب الوضع بأن معظمهم كان يعتقد أنني اعني بالفعل ” عمّان ” عاصمة الأردن وليس ” ُعمان ” رغم الضمة على العين ظاهرة..! وعندما تم التوضيح أن عُمان المعنية هي سلطنة عمان تفاجئوا من فكرة أن يكون فيها اعتصامات أو حتى مطالبات شعبية مبررين دهشتهم أن عمان دولة مسالمة ..! والأمر لفت نظري فقمت بكتابة توضيح بالعبارة التالية : ” هناك أمر غريب عندما اكتب لفظة ” عُمان ” أو ” عُمانيون ” يعتقد كثيرون أنني أعني ” عمّان ” عاصمة الأردن : ألهذه الدرجة ” عُماننا ” بـ_الضم _ معزولة عن العالم ..؟! ” ..

واستقبلت العبارة ردودا كثيرة في الفيس بوك والتويتر وردود وصلت بريدي الخاص وتفاوتت وجهات النظر ؛ فعزمت أن أعرض تلك الآراء في هذه المقالة وقد صنفتّها إلى آراء عمانيين داخل عمان وغير عمانيين المقيمين فيها وقسم يتناول آراء إخوتنا في الدول الخليجية والعربية وسوف استعرض بعض هذه الآراء التي تتفاوت في الرؤية وتعرض بعضها أسباب ..

 وتهجم الأسئلة دفعة واحدة : هل فعلا سلطنة عمان منعزلة ..؟! هل هذه العزلة في صالحها ..؟! هل زمن اليوم يتصالح مع هذه العزلة ..؟!

بالنسبة للآراء العمانية وهي متفاوتة ومصنفّة إلى قسمين .. فالقسم الأول يرى أن ” عُمان ” ليست منعزلة إنما هناك حاقدون على وجوههم غشاوة بها سلبيات ينقبون في أتفه الأسباب ؛ وهؤلاء الذين نبذوا فكرة عزلة عُمان استعرضوا تاريخها القديم وحضارتها ومدى تأثيرها الفعّال في العديد من القضايا الخليجية والعربية .. بينما يرى القسم الآخر من العمانيين أن ” ُعمان ” بالفعل دولة منعزلة وهذا هو الوضع الذي يجعل من ” العزلة ” ” أزمة ” فلو تحدث عماني في وسيلة إعلامية غير عمانية يتهم بالخيانة و” نشر الغسيل ” وبالعبارة : ” يبجّلون العزلة ويتهمون غيرهم بالخيانة والأجندة ” لأنه تحدث عن مآسي وطنه في الخارج ..! وهذا الرأي يقرر أخيرا بأن عُمان وأهلها يحتاجون إلى قليل من الثقة وقليل من الانفتاح ؛ فمن غير المعقول أن يعّد الانفتاح خطرا على عُمان ..!

مجموعة من العمانيين أعلنوا إلى أن مبعث وجوب الخلط ما بين ” عُمان ” و ” عمّان ” يعود إلى إسقاط حركة الضمّ على العين ؛ ولكن إحدى الآراء العمانية عرضت أمرا مهما بعيدا عن إشكالية الحركات الإعرابية فصاحبة التجربة تقول : ” اذكر مرة عرض لأحد الحكام الأجانب بالتحكيم في مباريات خليجي 19 والتي أقيمت في عُمان يومها ، عندما وصله الخبر ذهب إلى الإنترنت وبحث في خارطة العالم وهو يسأل : أين تقع عُمان ..؟! وأنهت قولها المذكور باستنكار مستفهم : ” هل وطني منعزل ..؟! لم أنس هذا الموقف لسنوات ..! ” وثمة رأي آخر يساند الاستشهاد أعلاه ويرى أن ” عُمان دولة ضمت لسنوات ولم تفتح ” لدرجة أن كثيرين تأتي إليهم عقود للسلطنة فيترددون بقبولها ؛ والسبب عائد إلى كون عُمان منعزلة ولا يعرفون عنها شيئا واتبعت رأيها بتساؤل : ترى ما الأسباب ؟!

أما الإخوة العرب المقيمين في عُمان أو الذين أقاموا فيها ردحا من الزمن ثم غادروها وصفوها بالبلد الجميل وذا ثقل تاريخي أصيل ولكنهم شاطروا في فكرة أن عُمان لا ينقصها سوى مسألة ” حريات ” !

بينما يرى أبناء دول الخليج وبعض العرب أن عُمان دولة محايدة وتعيش بسلام وهؤلاء صرّحوا  بأنها من أهدى دول الخليج ، بينما اتفق آخرون أن عُمان منعزلة كأخبار وسياسة عن العالم وأصحاب هذا الرأي اختلفوا في إيجابية وسلبية هذا الأمر ؛ فالإيجابية في كون العزلة يجنبّها الكثير من المشاكل هي في غنى عنها ، بينما ذهب آخرون أن العزلة العمانية لا ترتقي بمستوى دولة لها وزن تاريخي عريق وأن عليها أن تشارك في القضايا الدولية بما يوافق ثقلها .. وهذا يتوافق مع رأي متسلسل عرضه أحد الإخوة الخليجيين حيث ذهب إلى أن ترشيح فكرة الانعزال لم تأت من فراغ ؛ لأننا حين نضع الإمكانيات في كفة والمكانة في كفة سنجد أن عُمان لم تأخذ مكانها الصحيح ويضيف قائلا : ” الانعزال ليس له علاقة بالماضي المشرق أبدا ولا ينتقص من عُمان الدولة لكنه يضع أكثر من علامة استفهام أمام كل محب لعُمان ..؟! “

وفريق ثالث ذهب إلى أن عٌمان ليست بمعزل عن العالم ولكنها بمعزل عن الضجيج الإعلامي والمهاترات التي لا تنتهي ..! ورأي أخير اختصر مفهوم العزلة العمانية في عبارة : ” عُمان ليست منعزلة ولكن فكرة الانعزال راسخة في الأذهان ” ..!

إلى هنا ننتهي من عرض مجموع الآراء الذين تفاوتوا في تحليل مفهوم العزلة العمانية ، أما أسباب العزلة فتبايت هي الأخرى ؛ فمن اتفقوا على عزلتها ذهبوا إلى أن مبعث العزلة العمانية على مستوى السياسي يعود إلى خوضها حروبا وصراعات داخلية أنهكت قواها في الماضي وجعلها تنشغل ببنائها الداخلي خاصة وأن عُمان استقبلت الثورة النفظية متأخرة ..

وهناك من شجب العزلة على المستوى الديني بأن مذهب الأباظية صنع عزلة متفردة عن الآخرين .. وهناك من قدّم أسباب اجتماعية كطبيعة الملبس واللهجة ..! وجاءت هذه الأسباب جامعة عند البعض..!

كل الذين تناولوا مفهوم العزلة العمانية لم ينطلقوا من مبدأ تاريخها العريق ولا أخلاقيات العمانية المعروفة ؛ فتاريخها مشهود ومتفق عليه ولا يحتاج إلى عرض ولا الخوض فيه ، بل هي عزلة ارتكزت على مبدأ المحايدة وعزلة قلّصت من دور عمان الدولي وذلك تبعا لسياسة الهدوء والنأي عن الضجة الإعلامية التي تفتعلها باقي الدول وتثيرها ؛ فالأغلبية متفق أن عُمان لها دور إقليمي ودولي لكنه مشوب بالهدوء ؛ فهي تطرح قضاياها واقتراحاتها بهدوء كما جاءت .. والسؤال هنا : فهل الخطأ في هدوء عُمان أم الخطأ في تضخيم ضجة الآخرين عبر سلاح الإعلام ..؟! لا شك أن هذا العصر يحتمل الضجة أكثر مما يحتمل الصمت .. وأيضا زمن اليوم هو زمن الشعوب وليس زمن السلطات المطلق بينما مازالت السلطات على حالها العتيق فهناك دول قد تكون في معمعة الأحداث على مستوى سلطات ولكن على مستوى شعوبها فهي تعزلها عن المشاركة في تلك الأحداث كـ” الصين ” التي منعت الفيس بوك والتويتر واليوتيوب..!

وهناك سلطات يتفاعل شعبها مع الأحداث الخارجية ولكن حين يحركون الراكد من الشؤون الداخلية لأوطانهم ؛ فإنهم يعتقلون وهذه سياسة متبّعة في دول الخليج أما العربية فلها شأن متفاوت بعد ثورات الربيع ..! وهناك سلطات تحرص على منظومة مشاطرة الشعب في قضايا الوطن من نواحي معينة وفي الوقت نفسه لها تحفظات قمعية في إظهار صورة الوطن على حقيقته خارج حدود الوطن ..!

ما أكثر سياسات السلطات وتبقى مشاركات شعوب الخليج في شؤون السلطة محدودة ؛ فجميع السلطات تتفق على سياسة رفض التام للتدخل الشعبي في موجب أحكامها الوراثية وكسر مبدأ القبلي وانتفاء معنى الترشيح والانتخابات في هذه الدول على كرسي السلطة ..!

أما في سلطنة عمان فالسياسة كما أعلنها السلطان “قابوس بن سعيد” في خطابه بعيد النهضة الأربعين في عام 2010م بنبرة واضحة حين قال : ” ومن المبادئ الراسخة لعمان التعاون مع سائر الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الغير وكذلك عدم القبول بتدخل ذلك الغير في شؤوننا ” ..!

هذه سياسة السلطة العمانية ؛ فهل تنطبق هذه السياسة على كافة الشعب العماني ..؟! في المقالة القادمة لنا حديث في هذا الشأن ..

6 تعليقات

  1. أشكرك على هذا المقال الذي يتعرض لموضوع مهم جداً و المتعلق بعزلة عمان أو حيادها و إستعراضك لعدد من الآراء يخصوص ذات الموضوع.

    أود هنا التعليق بان مفهم الحياد لا يمكن إختصاره بنشر الغسيل من خلال النقد في الإعلام أو الضوضاء الإعلامية أو حرف الضمة على العين كما وصلك من تعليقات.

    و لنناقش هذا الموضوع يجب ان نؤسس بعض النقاط.

    اولا إن العزلة الإخبارية هي عن العامة فقط و لها اسبابها الداخلية حيث ان الاعلام هو حكومي بحت في عمان.

    ثانيا إن مفهوم الحياد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي إنتهى منذ عقود و لم يعد هناك شيء على ساحة الفعل السياسي يطلق عليه بالحياد او العزلة.

    ثالثا فإن عمان هي عضو في العديد من المنظمات و التكتلات و الإتفاقيات الدولية و بالتالي فهي تتعاطى مع العالم بطريقة أو بأخرى. نضيف إلى ذلك موقع عمان الجيوسياسي على المستوى الغقليمي و الدولي, فاموقع يحتم عليها التاثر بما يجري حولنا و في العالم. إذا فالحديث هل تعاطيها هذا هو إيجابي و في مصلحة البلاد أم سلبي و يعطل أهداف الإستقرار و التنمية.

    رابعا إن مفهوم الحدود السياسية حقيقة ليس مرتبط بالخطوط على الخريطة بل بإتساع دائرة تأثير الفعل السياسي و الدول و بدافع المصالح و تامين الإستقرار تسعى لتوسيع هذه الدائرة. و من هنا تنشا التدافعات التي قد تاخذ طابع المنافسة أو التعاون أو الصراع.

    خامسا لابد ان نضع في أذهاننا قضية أن العالم اصبح قرية صغيرة بفعل الاتصالات و الشركات العابرة للقارات و أن مصادر القوة في هذا العصر اصبحت في إحتكار المعلومات و التكنولوجيا.

    مما سبق نرى أن الحياد أو العزلة لم يعد مناسبا لقواعد اللعبة السياسية و الاقتصادية في سواء على مستوى الداخل او الخارج و هو إن وجد فحقيقة ناتج عن ضعف الفعل و التاثير السياسي الايجابي.

    و دمتم

  2. ربما يا ليلى ما يراه البعض عزلة نراه نحن في عمان احترام لانفسنا في عدم التدخل في شأن الغير سيما إذا كان هذا الشأن لايعنينا لامن قريب او بعيد.. لقد ولد البعض وترعرع في مجتمعات غوغائية جدا لدرجة بأنهم باتوا ينظرون الى الغوغائية كأمر محمود وصحي ونحن بالتأكيد لانراه كذلك سلطانا وشعبا نحن ياليلى نترك الخلق للخالق والملك للمالك ولانغرد ابدا بتغريد الطيور.

Comments are closed.