تاريخنا

عدت قبل بضعة أيام من تركيا التي لم أكن أعرف عنها سوى الشوارما والمشاوي والبقلاوة، ورغم أني لم أزر سوى أنقرة العاصمة السياسية لتلك الجمهورية العصرية التي بدأت علمانية ثم أصبحت قدوة للدول الإسلامية، إلا أنني دهشت بذلك الإخلاص والولاء الذي يكنه الأتراك لمؤسس دولتهم العصرية مصطفى كمال أتاتورك، فرغم السطوة الشعبية الحاضرة للرئيس الكاريزماتي رجب طيب أردوغان إلا أنه لم يستطع الخروج من عباءة أتاتورك الذي غرس حبه في قلب كل تركي. أربعة أيام قضيتها في أنقرة لم أر سوى صورة واحدة لأردوغان علقت على أحد الأبنية مقارنة بصور أتاتورك التي ملأت الشوارع والعمارات.

هذا الحب الرائع لأتاتورك يجعلني أتساءل: ماذا نعلم نحن عن أحمد بن سعيد؟ وعن سعيد بن سلطان؟ وعن ناصر بن مرشد وعن بلعرب بن سلطان؟ لا نعرف عنهم سوى أنهم أسماء في كتب التاريخ وعلى لوحات المدارس والمساجد، إذ هيمنت صورة السلطان قابوس وطمرت هذه الأسماء جميعا فبتنا نختزل تاريخ عمان في 40 عاما. ولو سألت شابا اليوم عن أحمد بن سعيد فأقصى ما سيقوله أنه مؤسس الدولة البوسعيدية، وإن كنت محظوظا فسيقول لك أن أحمد بن سعيد كان واليا على صحار يوما ما، وماذا بعد؟ لا شيء. لم يعد هؤلاء بالنسبة لنا سوى أسماء نطلقها على مسجد جديد أو مدرسة، وما عاد هناك اكتراث لتاريخ عمان القديم والحديث، بل وكممت أفواه أرادت سبر أغوار التاريخ الحديث لهذه الدولة من حرب ظفار وحرب الجبل الأخضر والعصور المظلمة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة لتثقيف شبابنا وإطلاعهم على تاريخهم ورجالاته ليعلموا يقينا أن دولة بعراقة عمان لا يمكن أن تختزل في 40 عاما وفي ذات واحدة، وإنما هي ثمرة عزائم لم تلن في وجه الطغاة، عزائم حافظت على كينونة هذه الأمة التي لم تنسلخ يوما من هويتها ولم تنصهر في بوتقة العولمة الغربية التي تتسع يوما بعد يوم حتى اختلط لهيبها بريح السموم. تاريخنا بحاجة لأكثر من محاضرة وندوة ومتحف.. بحاجة لدراسة وتمحيص.. بحاجة لأن يغرس غرسا في أذهان شبابنا الذين نعول عليهم حمل راية هذه الأمة لكي لا تقتلعها أمواج الحداثة ولتبقى شامخة كما عهدناها.

 

بدر الجهوري     

jahwary@squ.edu.om

2 تعليقات

  1. أُوافقك الراي في أنه تم اختزال تأريخنا في أربعين عام فقط وكأننا لُقطاء بلا تأريخ أو حضارة، لكن أراك تُناقض نفسك.. أي عصور هذه التي تقصد أنها عُصور مُظلمة.. اقرأ التأريخ أولاً قبل كتابة المقال، ثم قرر ما إذا كانت عصوراً مُظلمة أو لا!!!

Comments are closed.