بيت الحكمة : كيف أسس العرب لحضارة الغرب

٢٠١٢٠٧٢٧-٠٢٣٠٢٨.jpg

“عُد بالزمن للوراء وسترى أن من المستحيل تصوُر الحضارة الغربية من دون ثمار العلم العربي: فن الجبر للخوارزمي، أو التعاليم الطبية والفلسفية الشاملة لابن سينا، أو علم الجغرافيا وفن رسم الخرائط للإدريسي المستمرين إلى اليوم، أو العقلانية الصارمة لابن رشد. بل الأهم من عمل أي شخصٍ فرد كانت المساهمة الإجمالية للعرب، تلك التي تقع في صميم الغرب المعاصر، أي إدراك أنَّ العلم يمكن أن يمنح الإنسان القدرة على تسخير الطبيعة”.. بهذه الكلمات يخاطب الكاتب الأميركي جوناثان ليونز، عبر كتابه “بيت الحكمة”، من يقول إنهم لا يرون في الاسلام أو العالم الاسلامي ما يعجب إلا “القليل” أو لا يرون شيئا..
جاء اهتمام الباحث “جوناثان ليونز” لهذه الدراسة المقارنة في علم اجتماع الأديان للكشف عن سر تراجع العرب وتقدم الغرب والرد على السياسة المعادية للإسلام التي صُنعت في ظل الحملات الصليبية لتطمس عن قصد الدور العميق للثقافة العربية في تطور العلم الحديث.

فبينما كانت أوروبا تعيش في الظلام، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وتحول أوروبا في زمن العصور الوسطى إلى مكان خلفي منعزل وجاهل، عالم يزرع ليعيش، لا يقرأ ولا يكتب إلا قليلاً، غارقاً في صراع عنيف.
في هذه الأثناء كانت الحضارة العربية تزدهر، وتبهر أولئك الأوروبيين المحظوظين الذين ألقوا نظرة خاطفة، مجرد نظرة، على التقدم العلمي الآتي من بغداد أو أنطاكية أو مدن فارس وآسيا الوسطى والأندلس. كان الفلاسفة وعلماء الرياضيات والفلك العرب والمسلمون يدفعون أمامهم باطراد حدود المعرفة ويُحْيُون أعمال أرسطو وأفلاطون. وفي المكتبة التي أسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، التي عُرِفت ببيت الحكمة، عمل جيش من العلماء بأمرٍ منه ومن الخلفاء من بعده. وخاصة ابنه المأمون. وبينما كانت أفضل مجموعات الكتب في أوروبا لا تتعدى بضع عشرات من المجلدات، كان بيت الحكمة يفتخر باحتوائه على أربعمائة ألف مجلد.

حتى عندما كان أهل البلدان الأوروبية يشنون الحروب الصليبية الدموية على المسلمين، سافر عدد قليل من طلاب العلم المسيحيين الشجعان إلى بلاد العرب، متعطشين إلى المعرفة، وعادوا منها بجواهر لا تقدر بثمن من كتب العلم والطب والفلسفة التي كانت هي أساس عصر النهضة. في هذا الكتاب المتألق المثير، يبين “جوناثان ليونز” كم تدين الحضارة “الغربية” لأمجاد الحضارة “العربية” في العصور الوسطى، ويكشف كيف عبّت أوروبا من معين العلم العربي، وهي قصة لم يروها أحد من قبل.
ويرأى جوناثان ليونز أن الغربيين الذين أفادوا كثيرا من العلم والفكر العربيين اتجهوا إلى التغطية على ذلك معلنين أنهم عادوا إلى الفكر اليوناني للانطلاق في نهضتهم مهملين عن عمد ذكر الأثر العربي في نهوضهم. وركز على عدد من هؤلاء الأوروبيين الجوالين وبشكل خاص الإنجليزي (اديلارد اوف باث) أهم اسم بين هؤلاء قيمة ودورا فعالا.

وقال الكاتب: “لقد أعادت قوة العلم العربي التي كان (اديلارد اوف باث) بطلها تكوين المشهد الثقافي الأوروبي وبقي أثرها إلى القرن السادس عشر وما بعده وهي التي شكلت العمل الأصيل لكوبرنيكوس وجاليليو”.
ويستطرد الكاتب قائلاً: “وقد جعل هذا أوروبا المسيحية تقف وجها لوجه أمام حقيقة أن الشمس ـ لا السكن الدنيوي لهذا المخلوق الذي هو الإنسان ـ هي مركز الكون. وقد شرح ابن رشد القاضي الفيلسوف من الأندلس للغرب الفلسفة الكلاسيكية وكان أول من أدخل إليه التفكير العقلاني. أما القانون في الطب لابن سينا فظل مرجعا بأوروبا حتى القرن السادس عشر ككتب عربية أخرى في البصريات والكيمياء والجغرافيا”.

وأضاف “بدأ تناسي الغرب المتعمد ارث العرب منذ قرون عندما بدأت الدعاية السياسية المعادية للإسلام التي صنعت في ظل الحملات الصليبية تطمس أي اعتراف بالدور العميق للثقافة العربية في تطور العلم الحديث”.
في بداية الكتاب وتحت عنوان “ملاحظة للقارئ” تحدث المؤلف قائلاً ” نادرا ما يأتي مع الأعمال الموجهة إلى القارئ العام تعريف للمصطلحات والمفاهيم بالغا ما بلغ مستوى جدية أو ثقل الموضوع. وقد تعمدت الإبقاء على هذه التعريفات في الحد الأدنى. وبالرغم من ذلك أجد من المناسب التحدث قليلا في البداية عن اختياري مصطلح “العلم العربي” أو ما أشبه ذلك من عبارة بدلا من “العلم الإسلامي” للتعبير عن الوسط الثقافي الرفيع الذي ساد العالم الإسلامي في العصور الوسطى”.

لكن الكاتب يعود لينبه “وكما يعلم كثير من القراء.. فإن كثيرا من الازدهار في ذلك الزمان والمكان لم يكن حكرا على العرب كعرب ولم يكن كذلك عمل المسلمين تماما. فالفرس بمن فيهم المجوس والنصارى واليهود والإغريق النصارى السريان والترك والكرد وغيرهم.. كل هؤلاء لعبوا أدوارا حاسمة في جميع فروع العلم واللاهوت والفلسفة”.

غير أنه يعود للإقرار بأن “لهذا العمل كان يجري غالبا باللغة العربية وكثيرا ما كان يجري برعاية الحكام العرب ولاسيما الخلفاء الأمويين والعباسيين بدمشق أولا ثم ببغداد… وخلال شطر كبير من الفترة موضع البحث لعبت اللغة العربية دور اللغة العالمية للعلم.. وكذلك كان على من يود من علماء الغرب في العصور الوسطى الاطلاع على آخر ما استجد في مجاله إتقان اللغة العربية أو العمل استنادا إلى الترجمات التي قام بها من تعلم هذه اللغة منهم..”.

وقال موضحا “ليس معنى هذا أن الإسلام والثقافة الفريدة للمسلمين ليسا عنصرين مهمين في قصتنا هذه. فأنا أشير في مواضع كثيرة من هذا النص إلى الأهمية الكبرى للإسلام في تقدم العلم العربي.. ومع ذلك فإن كثيرا من البحوث التي أجريت في هذه الفترة مضت أبعد بكثير من المسائل الدقيقة للإيمان في الإسلام ولم تجر حين أجريت لإثبات الحقائق اللاهوتية أو العقدية. كذلك يجدر بنا أن نتحاشى أي خلط مع المفهوم الراسخ “للعلوم الإسلامية” الذي يشير عموما إلى المعارف الدينية الدقيقة كالفقه وتفسير القرآن ودراسة الحديث وهكذا”.

وفي مكان آخر تحدث المؤلف عن (اديلارد اوف باث) فقال إنه لم يكن “مهيئا البتة لما وجده في سعيه الحثيث لما دعاه “الدراسات العربية”.. وعلى الفور استحوذ هذا الانجليزي المترحل على قوة المعرفة العربية ليرى العالم كما رآه. غادر اديلارد موطنه انجلترا طالبا شابا متعطشا للحكمة التي لم يكن ليروي ظمأه إليها إلا العرب. وسيعود إليه كأول عالم غربي يساعد على تغيير عالمه إلى الأبد”.

وتحدث المؤلف في أكثر من مجال عن موضوع “قدم العالم” وما دار من جدل بين جماعات فكرية ودينية إسلامية أبرزها جماعة “علم الكلام” وبشكل خاص بين المعتزلة والأشعرية.
وقال الكاتب متحدثا عما واجهه الباحث الانجليزي في هذا مجال من أسئلة عميقة “هل للكون بداية وهل له نهاية كما ورد في الإنجيل والقرآن أم انه قديم.. لا هو حادث ولا متغير كما قال الفلاسفة المسلمون. ولو صح هذا “المنطق الجديد” إذا ما يفعل المرء بالنصوص المقدسة التي تقول بالخلق. لقد بدا العالم لاديلارد فجأة مكانا جديدا غير مألوف.. أدى وصول العلم والفلسفة العربيين ـ وهو إرث اديلارد الرائد ومن سارع إلى إتباعه ـ إلى تحويل الغرب المتخلف إلى قوة علمية وتكنولوجية عظمى… حول العلم العربي عالم العصور الوسطى المسيحي تحويلا فاق الإدراك…”.

ويمضي في الحديث عن “طمس” الإشارة إلى أثر العرب في قيام النهضة الأوروبية فيقدم أمثلة منها أن روجر بيكون الفيلسوف من القرن الثالث عشر وأحد أقدم أنصار المنهج العلمي في الغرب “قدر للمسلمين إبداعاتهم الثقافية وهو موضوع كان يعرفه جيدا فقال “الفلسفة مأخوذة من المسلمين.” ومع هذا فإن روجر بيكون لم يكن أقل حماسة من غيره من الغربيين لاستنكار مظاهر حياة المسلمين التي لم يكن لديه معرفة أو خبرة حقيقية بها، فقد جزم بلا تردد أن العرب “مستغرقون في المتع الحسية لتعدد الزوجات لديهم” وسرعان ما حلت هذه المفاهيم الخيالية محل كل ما عداها في المخيلة الشعبية الغربية”.

أضاف أن هذه الآراء ازدادت انتشارا في عصر النهضة “عندما راح الغرب يستلهم اليونان القديمة ناظرا إليها نظرة مثالية. فمن حرصهم على ادعاء تحدرهم الفكري المباشر من أمثال ارسطو وفيتاجورث وارخميدس تعمد مفكرو الغرب تهميش دور العلم العربي.. وقد نسج مؤرخو العلوم الغربيون إلى حد بعيد على هذا المنوال وصور كثير منهم العرب بأنهم لطفاء كرماء لكنهم كانوا عمليا ناظرين حياديين للمعرفة اليونانية ولم يفعلوا شيئا يذكر أو أي شيء لتطوير عمل من سبقهم”.
وخلص هنا إلى القول “تستند هذه الأوصاف إلى مفهوم ثابت يقول باسترجاع الغرب العلم الكلاسيكي مع ما يعنيه ذلك ضمنا وبشكل واضح أن هذه المعرفة كانت بشكل ما مكسبا طبيعيا بالولادة لأوروبا المسيحية وأن الذي حصل فقط هو أنها لم تجد مكانها الصحيح في العصور الوسطى. هي تصطبغ كذلك بشدة بإجماع غربي غالبا ما يستحضر لتفسير حالة العالم الإسلامي اليوم.. إن الإسلام معاد بطبيعته للابتكار وأنه صار كذلك ابتداء من أوائل القرن الثاني عشر”.

حمل الكتاب عنوانا أساسيا هو “بيت الحكمة” اتبع بعنوان آخر إيضاحي هو “كيف أسس العرب لحضارة الغرب”. وبيت الحكمة هو تلك المؤسسة الثقافية الشهيرة خاصة في مجال الترجمة والتي أسسها الخليفة المأمون في بغداد وكلف اسحق بن حنين بإدارتها يساعده مثقفون سريان آخرون. وقد جاء الكتاب في 287 صفحة كبيرة القطع وصدر عن “الدار العربية للعلوم” في بيروت و”مركز البابطين للترجمة” في الكويت. وقد قام مازن جندلي بترجمة الكتاب من الانجليزية إلى العربية.

وعمل الباحث جوناثان ليونز محررا ومراسلا صحافيا لوكالة رويترز لأكثر من عشرين سنة خاصة في العالم الإسلامي. وهو يعيش الآن في العاصمة الأمريكية واشنطن ويقوم بالتدريس في جامعة ميزون.
يشار إلى إن مركز البابطين للترجمة انطلق في العام 2004 واستطاع في غضون سنوات قليلة أن يساهم في تشجيع حركة الترجمة والتأكيد على أهميتها الحضارية لأمتنا العربية، سواء من حيث إصداراته أو من حيث الترويج للأهداف والأنشطة التي قام بها.
ويعتبر المركز إضافة نوعية لاقت الثناء والترحيب من قبل المعنيين ولا سيما بعدما إزداد الوعي بأهمية الترجمة في السنوات الأخيرة وإزداد مع هذا الوعي ظهور عدد من المبادرات المشابهة في الخليج والوطن العربي..

وتقوم آلية عمل المركز على تشجيع دور النشر على ترجمة كتب مهمة للقارئ العربي، وذلك من خلال اتفاقيات يوقعها المركز مع دور نشر لها مكانتها في هذا المجال، ويتم بمقتضاها تقديم دعم مالي عن ترجمة وإصدار كل كتاب من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ويحرص المركز حالياً على الاهتمام بترجمة الكتب العلمية والتكنولوجيا في ضوء حاجة المكتبة العربية إلى هذا النوع من الكتب وللمساهمة في تعميم الثقافة العلمية لدى أوسع شرائح القراء العرب من مختلف الأعمار.
المصدر: وكالات – البلد

1 تعليقك

  1. قراءة متعمقة للكتاب تعطينا ان الكتاب اختزل في المقال، شكرا لك. لا اوافق على قولك ان مثل محتوى الكتاب لم يتواجد على الساحه بل بعلى النقيض من قولك فهناك كتب قيمه ذات مصداقيه وبل اقدم عمرا. اذكر هنا كتاب شمس العرب تستطع على الغرب للمستشرقة الالمانيه زيغريد هونكه وكتاب قصة الحضارة لويليام ديورانت

Comments are closed.