بناء القدرات ومحاربة الفساد

ومضات مدنية 16

الدولة المدنية = سلوكيات منظمة: بناء القدرات ومحاربة الفساد

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

أحسب أن من أبرز ما قيل في تنظيم سلوك المجتمع في الدولة المدنية  مقولة القس مارتن لوثر كنغ بأن الأخلاقيات لا يمكن أن تشرع فهي تبقى مبادئ وقيم مجردة ولكن يمكن للسلوكيات التي تجسد هذه المبادئ والقيم أن تنظّم وياحبذا بقانون، بمعنى أنه لا فائدة من القول بأن الصدق قيمة جميلة أو أن الكذب ممنوع أو أن الأمانة واجبة أو أن السرقة فعل مخالف للقانون واجب عقابه ما لم يتم توصيف الكذب والسرقة سلوكيا، بمعنى توضيح ماذا نعني بالكذب أو التحايل أو السرقة من خلال سلوكيات نعدها كمجتمع أو كإدارة من قبيل الكذب أو التحايل أو السرقة مع كيفية رصدها وضبطها وإثباتها وبالتالي إيقاع العقوبة على مرتكبها، وبالمثل علينا أن نوجد آلية مشابهة لتكريم الملتزمين بالسلوكيات النبيلة وتثويب مثل هذه الأعمال، وفي نفس السياق لابد من إيجاد سلوكيات أخرى وإجراءات من خلال القوانين تقلل وتحد من فرص ارتكاب الفعل المرفوض واحتمالات حدوثه وتكرارها وتعين المواطن على أن يكون مواطنا صالحا.  ولاحظ أنني قلت تقلل وتحد ولم أقل تمنع لأن ذلك قد يعد ضربا من اللاممكن في أيامنا هذه.

 

وتنطلق الدولة المدنية من منظور مثيل، فهي مع أنها ترتكز على القيم الإنسانية المشتركة لا يمكنها أن تكتفي بوضع هذه القيم والمبادئ في قانون دون أن تنتقل إلى مرحلة التوصيف والتحديد والتعيين والرصد والضبط والعقاب والثواب، باستثناء مرحلة إعداد الدستور أو النظام الأساسي للدولة الذي عادة ما يرتكز على قيم وموجهات ومبادئ عامة تكون بمثابة الإطار العام لأية قوانين مقبلة وأية سلوكيات يرغب الشعب بعناصره وأطيافه المختلفة في الحفاظ عليها أو التخلص منها أو إيجاد نسخة جديدة منها، مع المحافظة على الهدف النهائي ألا وهو إسعاد البشر.  ولذا فإن العلامة الفارقة بين الدولة المدنية وغيرها من النظم أنها تنتقل من مرحلة الاجتهاد غير المنظم إلى الاجتهاد المنظم في ترجمة القيم والمبادئ إلى سلوكيات تعبر عن السمة العامة للمجتمع، مع الحفاظ بطبيعة الحال على الحريات الفردية التي لا يجب أن تتعايش هي والسلوكيات آنفة الذكر، فلا يمكن على سبيل  المثال أن تسمح الدولة المدنية للحرية الفردية أن تنال من الأموال العامة أو أن تنال من تكافؤ الفرص للمواطنين في الحصول على حقهم من التعليم والمنافع الأخرى التي تتيحها الدولة.

ومن بين السلوكيات التي لا يمكن للدولة المدنية أن تنشأ وتستمر بدونها السلوكيات المرتبطة بقيمتي المساواة والعدالة الاجتماعية. فهاتين القيمتين لا تتحققان من خلال توزيع الثروات فحسب أو من خلال الارتقاء بالمستوى المعيشي العام للمجتمع، فذلك لا ينزع عنهما المنية ولا يصل بهما إلى المثول على أرض الواقع من منظور فردي، وإنما تتحقق هاتان القيمتان بنجاعة إذا ما ركزتا والسلوكيات المترجمة لهما على أمرين أساسيين: بناء القدرات ومحاربة الفساد (أو ما يدعى بالانحراف). وقد يسأل سائل ما الجامع بين بناء القدرات ومحاربة الفساد؟ وفي الحقيقة إن ما يجمع بينهما كثير من أبرزه أن محاربة الفساد تحتاج إلى قدرات فردية توجد شعبا واعيا مهتما ومسؤولا كما تحتاج إلى مؤسسات ذات صلاحيات واختصاصات ، وبطبيعة الحال هذه المؤسسات لن تعمل إلا من خلال القدرات البشرية، ومما يجمع بينهما أيضا هو أن محاربة الفساد عادة ما تحفظ أموالا توظف في خدمة بناء القدرات وكثيرا ما تحتج الحكومات بمحدودية الموارد المالية، وعلاوة على ذلك فإن في محاربة الفساد وبناء القدرات رفدا للمساواة والإنسانية المشتركة، فلا يمكن أن يصبح الفساد تكريسا للتشريف دون تكليف أو أن يغدو فرصة للإثراء غير المبرر الموجد لطبقية منافية لضرورات التنمية المستدامة.

وفيما يتعلق بأول هذين الأمرين بناء قدرات الفرد فأعني منحه الخيارات في سلْك سبل حياته والتمتع بإنسانيته وحقوقه الأصيلة الملتصقة بها، وبطبيعة الحال فإن تمكين المجتمع يضحى أسهل من خلال تمتين مهارات الفرد وقدراته على العيش بكرامة متحررا من الحاجة والخوف، ومتحررا من الاتكال على المجتمع وشبكاته محررا المجتمع من عبء إعالته، وبذا نصل إلى تنمية الكل سويا من خلال التركيز على تنمية الجزء فردا فردا دون تمييز.

ومن بين أبرز القدرات التي ينبغي على الإنسان طفلا كان أم فتيا أم شابا يافعا أم راشدا أم كهلا إمرأة كان أم رجلا أن يتمتع بها هي القدرات ذات الصلة بجانبين هامين من حياته، وهما: (1) العيش الكريم (بمعنى جودة الحياة) والاستمتاع بحياة آمنة من المخاطر ، و(2) التعليم الذي يبنيه إنسانا ويكفل له وعيا ومعرفة وإدراكا وقدرة على اتخاذ قراراته باستقلالية ووعي وضمير، والتعبير عن هذه كلها بحرية ووضوح ، وفسحة من الحرية لارتكاب الخطأ  فهو من سمات العمل البشري.

ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن المؤسسات التعليمية وتلك المعنية ببناء القدرات عليها أن تسعى إلى التركيز على بناء الإنسان سلوكا وخلقا في المقام الأول ولا تكتفي بتكوينه علما ومعرفة ومهارات فحسب، وتشير بعض الدراسات الأخيرة أن التركيز على التحصيل والمعرفة والمهارات – خاصة ذات الصلة بسوق العمل – حمل في طيات حسناته أمرين مهلكين للمجتمع الحديث: التهالك (على المنفعة والمصلحة الشخصية وإرضاء الذات)، والتخشب (تحول الإنسان إلى آلة إنتاج واستهلاك وليس حيوانا أخلاقيا.)

أما ثاني هذين الأمرين فهو محاربة الفساد الإداري والمالي ، فالفساد سوس ينخر في بناء المجتمع وتماسك الدولة، وانتشار الفساد يزيد من استهلاكية المجتمع وتحويله إلى مجتمع غابي تنتفي منه سيادة القانون، وبحدوث هذا يضطرب النظام ويختل عضد الدولة وتنهار.  وبذا فإن محاربة الفساد الإداري والمالي أمر حيوي مرتبط باستمرارية الدولة وديمومتها في المقام الأول ناهيك عن تجسيد قيمتي المساواة والعدالة الاجتماعية.

ومحاربة الفساد لا تتوقف عند ضبطه بعد حدوثه وإرجاع الحقوق فحسب فذلك أقل ما بالإمكان، حيث أن هذا قد يقلل من نسبة المخاطرة التي يأخذها الفاسد في الحسبان عند الشروع في الانحراف مما يشجع على استفحال الفساد ويحفز عليه لقلة مخاطره وعظيم مكاسبه، بل لابد من عقوبة واضحة ورادعة تيسر – إلى جانب رفع نسبة المخاطرة وبالتالي تقليل الفساد – نشوء سلوكيات طيبة مقبولة في التعامل مع الأموال العامة للدولة والتأكيد عليها.

ومما يزيد في نجاعة محاربة الفساد تغيير كل من وعي الشعب والنظام الإداري المعمول به في الدولة، فكلما ارتفع وعي الشعب بواجباته القيمية تجاه حكم القانون ناهيك عن مسؤوليته في محاربة الفساد ، وكلما قل تدخل الدولة في تسيير الأمور العامة وشؤون الاقتصاد والقطاع الخاص (إن وجد) وقل تداخل رموزها مع رموز الاقتصاد، قلت فرصة تنفّذ المسؤولين العموميين وتصبح السلطة التقديرية محدودة في مجالات تطبيقها، وبذا تقل احتمالات الفساد المالي أو الانحراف الإداري.

ومن هنا تبدو قيمة الشفافية وتحويل الوثائق الحكومية إلى وثائق عامة متاحة للجمهور قيمة عالية وضرورية لتسهيل الرقابة ولتصبح شأنا عاما، وهنا تتجلى أهمية تعضيد مأسسة المحاسبة والرقابة المتبادلة من خلال تمكين المجالس التنفيذية أو المجالس المحلية من هذا الدور العام الهام والتي أرجو أن تلعب دروا فاعلا وكبيرا في إجهاض الفساد الإداري والمالي قبل حدوثه، وهو ما لا يمكن القيام به دون بناء قدرات وطنية والعمل على تمكين الفرصة لتوظيف هذه القدرات والاستمتاع بحقوق متكافئة بفعلها.

باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com