“بلاط الشهداء”.. المعركة التي أوقفت إنتشار الحضارة الإسلامية في قلب أوروبا

لثاني من رمضان من عام 114هـ / 732م كان يوما فاصلا في تاريخ الفتوحات الإسلامية حيث توقف فيه الزحف الإسلامي إلى قلب أوروبا بعد الخسارة الكبيرة التي لحقت بالمسلمين إبان معركة بلاط الشهداء في وسط فرنسا. المعركة التي وقعت بين جيوش المسلمين وجيش الإفرنج بعد أن حافظ المسلمون على مر الحقب والقرون السابقة على خط سير نشر الدعوة الإسلامية وظلت فيها رحلاتهم ومعاركهم لفتح البلدان وضمها للعالم الإسلامي تجري على الوتيرة نفسها.

سميت بمعركة بلاط الشهداء لأن الجيوش تقاتلت فيها في موقع قريب من أحد القصور القديمة، والبلاط في اللغة يعني القصر. وأضيفت لها كلمة الشهداء لكثرة من سقط من المسلمين في تلك المعركة الشهيرة التي خسروا فيها أعدادا كبيرة جدا من مقاتليهم؛ بمن فيهم قائد جيوش المسلمين “عبد الرحمن الغافقي”.

تفاصيل القصة تبدأ منذ فتح المسلمون الأندلس ووطدوا حكمهم وبدأو ببناء حضارتهم عليها. وفي فترة من الفترات أثناء ولاية عبد الرحمن الغافقي على الأندلس قامت ثورات كثيرة بين العرب والبربر استطاع المسلمون إخمادها. وكان أن أعلنت بعض الأقاليم كـ إقليم كاتلونيا استقلالهم عن الدولة الإسلامية وتم إخضاهم للدولة الإسلامية فيما بعد. لكن تشارلز مارتل زعيم فرانكيا -وهي بلاد تقع شمال نهر الراين وضمن دائرة ممتلكات الامبراطورية الرومانية حينها- كان تشارلز العدو اللدود للمسلمين بعد معركة طولوشة التي فتحها المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي. وبعد أن رأى فتوحات المسلمين ماضية ومستمرة قرر أن يترصد لهم وجهز من الجيش ما يمثل قوة جرارة تفوق جيوش المسلمين بكثرتها وبدأ تشارلز بالتحرك وفتح الأقاليم الواقعة في المناطق الجنوبية من البلاد.

التقى الجيشان عند نهر اللوار الذي يخرج من وسط فرنسا ويصب في المحيط الأطلسي. وحين أراد عبد الرحمن قائد جيوش المسلمين اقتحام نهر اللوار لملاقاة خصمه على ضفته اليمنى فاجأه مارتل بجيشه الهائل فاضطر عبد الرحمن إلى الرجوع والارتداد إلى السهل الواقع بين بواتييه وتور وهما منطقتان في فرنسا يستدل بها الافرنج لتعريف معركة بلاط الشهداء. وحين لاحظ تشارلز ارتداد المسلمين عبر بقواته نهر اللوار وعسكر بجيشه على بعد أميال قليلة من جيش الغافقي. واستطاع أن يختار بحنكته مكان المعركة وتوقيتها حين أجبر المسلمين على التواجد في المكان الذي يريده لهم.

استمرت المعركة لأيام وبدى للطرفين أن الحرب استنزافية وأن المنتصر هو من يستطيع أن يصمد أكثر؛ لكن قتالا عنيفا حدث في اليوم الأخير حين أرسل تشارلز فرسانه لمقاتلة المسلمين بعد أن لاحظ اهتمامهم بجمع الغنائم. واضطربت صفوف الملسمين إثر الهجوم المباغت وصمد عبد الرحمن وقلة من جيشه وحاولوا رد الهجوم بلا فائدة حيث استمر الهجوم وقتل عبد الرحمن الغافقي وجزء كبير من جيشه. فانتظر البقية نزول الليل وعادوا لقاعدتهم وفوجيء الإفرنج في الصباح بخلو الساحة من العدو وكان نصرا كبيرا يحسب لتشارلز وربما هو أكثر ما يمكن أن يجري ذكره عند الحديث عن شخصية تشارلز مارتل.

وبذلك وفي مثل هذا اليوم من رمضان حسمت نتيجة “بلاط الشهداء” أو معركة “تور” أو بواتييه” كما يسميها الإفرنج – حسمت أمر زحف المسلمين إلى قلب أوروبا وحافظت فيه المسيحية على تسيّدها دينيا في تلك المساحات.

 

تقرير : رحمة الجديلية – البلد