المشاركة في صناعة القانون = المشاركة في سيادة القانون

٢٠١٢١٠٢٨-٠٧٥٥٤٦.jpg

أحمد بن علي بن محمد المخيني*

إن أهم ما يميز الدولة المدنية أمران متعاضدان المشاركة وحكم القانون، وحكم القانون وسيادته والاتقياد لأحكامه أفرادا وجماعات ومؤسسات وحكومة لا يعني فقط تطبيق النصوص المودعة في القوانين المسنونة ولكن يعني أساسا مشاركة الشعب وإشراك المواطنين عبر خطوات وإجراءات واضحة وشفافة في جملة أمور وعمليات تتعلق بالقانون منها على سبيل المثال لا الحصر عملية إصدار القانون (العملية التشريعية) وعملية تنفيذه وعملية الرقابة على تفسيره وحسن تنفيذه ؛ إما في هيئاتهم الفردية أو من خلال مؤسسات مدنية رسمية وغير رسمية.

ومن اللافت للنظر أن من أوائل القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية أن الدين المنظم لأمور إنما جاء “لسعادة البشر” وأن كله “جلب للمصالح ودرء للمفاسد” بما يفضي إلى تحقيق العدالة، ولذا كان أمرا المشاركة وسيادة القانون المحورين اللذين أقاما أود الدولة الإسلامية في نشأتها الأولى قبل أن تصبح ملكا عضوضا وحداني السلطة.

إن المقصد من القانون عموما هو إنشاء مجتمع عادل منظم يسعد البشر المنضمين تحت لوائه بكل ما تحويه كلمتا العدالة والتنظيم من معاني متراتبة تعطي لأفراد المجتمع غرضا نفعيا – علاوة على القيمة الأخلاقية – للانصياع إلى ذلك القانون وأحكامه، وتشيع فهما وتطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل وأن الظلم الواقع على فرد ما في أي مكان إنما هو ظلم واقع على المجتمع بأسره.

وتباعا ينبغي الإلماع إلى أن التمتع بالحقوق وممارسة الحريات لا يتأتيا إلا في إطار واضح من العدالة روحا وإجراءات أساسها الإنصاف (وليس بالضرورة المساواة) في المعاملة ، ويرفد هذا الإطار تكافؤ الفرص في المشاركة في بناء الدولة والمساهمة في التنمية الشاملة لجميع أفراد المجتمع وشرائحه دون تمييز بين المنتمين للقطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المدني، أو بين شخص ذي إعاقة و شخص يتمتع بكامل ملكاته أو بين ذكر وأنثى ، أو بين فئة قد تعد “موالية” وأخرى قد تعد “معارضة” أو “جاحدة”، ومن نافلة القول أنه لا يمكن ضمان التمتع بهذه الحقوق وعدم التدخل في ممارسة هذه الحريات من دون قانون مشروع في جوانبه الثلاثة: الموضوع ، الإجراءات ، التقانة.

فمن حيث الموضوع فيستمد القاتون شرعيته من الدستور الوطني (أو النظام الأساسي) والقوانين العليا كالقانون الإلهي والقانون الأخلاقي ومبادئ حقوق الإنسان وقيمها ، التي تبين جميعها مصادر الأحكام وقيمها المؤسسة وتوضح للمجتمع برمته الإطار القيمي الموضوعي الذي ينبغي التحرك ضمنه والحقوق والواجبات التي من الحري أن تتاح لكل فرد من أفراد المجتمع.

أما من حيث الإجراءات فيستمد القانون شرعيته من حيادية مؤسسات الدولة الساعية للصالح العام والمتحوطة له، ومن المشاركة الشعبية (المباشرة أو غير المباشرة من خلال ممثلين ونواب عن إرادة الشعب) ، ونجد ذلك عادة مؤصلا حقا وإجراءات في الدستور الوطني (أو النظام الأساسي) ومبادئ حقوق الإنسان المؤكدة على أهمية إشراك جميع فئات المجتمع خاصة المهمشة أو المعرضة للاستغلال والتوظيف. والمشاركة تعني المساهمة لكل فرد في شؤون المجتمع ، على أن تكون مشاركة أفقية (كما وتعددا) وعمودية (نوعا وتعمقا) لجميع أطراف المجتمع.

أما التقانة – وأقصد بها جملة: الإتقان في صناعة القانون صياغة وإخراجا وتنفيذا ، وبلوغ الوجهة المقصودة من القانون ، وتوظيف التقنية والمعارف ذات الصلة بالموضوع وتحديثها – فتتطلب بالضرورة المشاركة ؛ لإن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لا تمتلك هذه التقانة مجتمعة في موضع واحد ولابد من إشراك الخبراء والمختصين والمهتمين وذوي العلاقة والمجتمع العام في مسائل التقويم والمتابعة ووسائلها ، وفي سلوك التصحيح والإصلاح الناجعين.

إن النتيجة الطبيعية لهذه المشاركة المدمجة في جميع مراحل صناعة القانون لمن شأنها أن تزيح عن القانون سمة وسيلة الطغاة، وتجعله مجالا خصبا لتحمل المواطنين والأفراد مسؤولياتهم المدنية، وترفع عن كاهل التشريعيين والتنفيذيين والقضائيين عبء الوصاية ، ويصبح الفرد بحق شريكا في صنع القرار.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار jicfa@yahoo.com