العولمة وهوية رمضان الغائبة

٢٠١٢٠٨٠٤-٢٢١٦٢١.jpg

يواصل قراء صحيفة البلد إرسال وجهات نظرهم حول أفكار وقضايا ورؤى مختلفة، سلمى الحجري تتحدث عن رمضان وفق مستجدات الحياة المليئة بالتطورات وثورة التكنولوجيا.

لايخفى على أحد منا حجم الثورة المعلوماتية التي أتت بها العولمة وتداعياتها , والمتمثلة في تقليص إمتداد الكون وثقافاته المتعددة ، لتُشكل ثقافة وهوية واحدة تجمع كل دول العالم وتزيل الحواجز والحدود الدولية بينها.

للثورة المعلوماتية زوايا تأثير متعددة تشمل الجوانب التعليمية ، الاقتصادية ، السياسية ، الثقافية ، المجتمعية وكذلك الحياتيّة ، ويمثل الاعلام الجديد من خلال مواقع التواصل الإجتماعي بأطيافها كالفيس بوك والتويتر وغيرها ؛ أبرز القوالب التي تُشكل الثورة المعلوماتية وتحدد أُطرها..وتعتبر هذه المواقع وسيلة “تفاعل” إجتماعي فقط وترويح عن النفس ..ولا يجب أن تأخذ طابع التواصل الإجتماعي الحقيقي بين البشر وتُهمش الجوانب الإنسانية.

تٌعتبر شبكات التواصل الإجتماعي اسلوب إيجابي للبقاء على تواصل مع الأهل والأصدقاء ، وكلنا ندين لهذه الشبكات بفتح آفاق التواصل الإجتماعي دون نهاية ، ولكن في ظل الثورة المعلوماتية الهائلة ، لوحظ من خلال الدراسات التي أجراها الكثير من عُلماء النفس مدى تأثير هذه الشبكات على مُستخدميه وعلاقتهم مع أنفسهم والمُجتمع المحيط ، خصوصا بعد وصولهم الى مرحلة الإدمان على هذه المواقع الإجتماعية ، والتي بلا شك ساهمت بشكل ملحوظ في خلق إضطرابات سلوكيّة ونفسيّة ولها أبعاد تأثيرية واسعة في القيم.

مادفعني حقيقةً إلى كتابة هذا المقال ، والبحث مُطولا حول التأثير الذي طال الإنسان والمجتمع نتيجة إرتياد آفاق شبكات التواصل الاجتماعي بشكل إدماني وليس إستخدام طبيعي ، هو تأثيرها الذي طال خير الشهور رمضان ، والذي يفترض على الإنسان أن يستغل الشهر الفضيل خير إستغلال ، في العبادات والطاعات وقراءة القرآن تأملا وتدبيرا ، بالإضافة الى تجريد التوبة لله عز وجل ، زيارة الأرحام والمرضى ، والجلوس مع الصالحين والأخيار ( لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده } [رواه مسلم[ ، وغيرها الكثير التي لاتسعنا الأوراق لذكرها ..
بالتركيز على أهم التأثيرات الناتجة عن إدمان شبكات التواصل الإجتماعي ، نبدأها من رد الفعل النفسي للمُستخدم ، والذي يميل نحو العزلة والإنطوائية ، وكأنه بذلك يخلق عالم أخر لنفسه يُشكل في مضمونه معنى التجافي، والذي يتمثل في جفاء المُستخدم للأهل والاصدقاء والمعارف والامتناع عن الخروج خارج المنزل مٌفضلا قضاء مٌعظم الوقت على هذه الشبكات.
إذ أنّ المٌستخدم ينفق معظم وقته في هذه المواقع ليلا ونهارا ، وبذلك يصبح الوقت المنفق عامل زمني يسيطر على تنظيم الوقت ، ومايؤكد الخلل النفسي الناتج ، أن الأمر يصل بنا أحيانا فور استيقاظنا من النوم الى التحقق من حساباتنا عبر المواقع الاجتماعية ومتابعة كل مُستجد ، هذا السلوك بحد ذاته يشير الى مشكلة تتعلق بالجانب النفسي والإجتماعي لدى الكثير منا ، ولا أبالغ إن قلت ، أن من دلائل الادمان لدى البعض ، أنه إستبدل التواصل الاجتماعي الواقعي بالتواصل الاجتماعي الافتراضي عبر هذه الشبكات.
الدلائل كثيرة والتي تبين حجم التأثير الناتج ، لذا شخصيًا فضلت أن أجعل الشهر الفضيل محطة منفصلة عن آفاق شبكات التواصل الإجتماعي ، لأنني في قرارة نفسي أعترف بالتقصير والوقت الضائع الذي أنفقه بلا حدود على هذه المواقع ، ونحن بحاجة في هذا الشهر الفضيل أن نقف وقفة جادة مع أنفسنا ، ونعيد لرمضان هويّتها الضائعة ، ونتزود بزاد الإيمان والتقوى والهداية ، ونمد حبل التواصل الاجتماعي الواقعي مع الأهل والاصدقاء والمعارف والخروج عن إطار العالم الإفتراضي ..
بعض عُلماء الدين والمشائخ حذروا من الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي عن قراءة القرآن وتدبره وعن سائر الطاعات والعبادات ، هذا لايعني أن يمتنع الإنسان عن هذه المواقع تماماً ، لكن علينا أن نقوم بجدولة أوقاتنا وإعطاء الشهر الفضيل حقه ، ولايمنع أن نُخصص جزء بسيط ويسير من أوقاتنا لشبكات التواصل الإجتماعي ، بشرط أن لايؤثر هذا التخصيص على مُجمل الجدول التنظيمي للطاعات والعبادات في رمضان.
المُتابع للفيس بوك او التويتر على سبيل المثال ، سيلاحظ أن العبادات والطاعات إن صح التشبيه أصبحت تُمارس بطريقة إلكترونية ، وهذا بحد ذاته يعتبر مؤشر واقعي يدلل على وجود مٌشكلة حقيقيّة .. يقول الدكتور عائض القرني : “كان كثير من السلف إذا أتي رمضان تعطلوا عن الفتيا والدروس وعن التعليم و المواعظ وأقبلوا على كتاب الله عز وجل”.
وتابع: “هذا الشهر اجعلوه فقط لكتاب الله للعبادة والصيام، وتدبروا، ليس المقصود مجرد التلاوة، تدبروا كل كلمة وكل جملة, واذا لم تفهم اية من كتاب الله أعدها أو طالع تفسيرها حتى تسأل نفسك هل مرت بك هذه الآية هل عرفت معناها ؟”.
من هنا أستغل هذه المساحة في توجيه رسالة لي وللجميع ، مُتمثلة في أهمية جعل أوقاتنا التي ننفقها مُجملا على هذه الشبكات موقع تقييم إيجابي ، كذلك علينا أن نتدارك حجم تاثير العولمة من خلال الثورة المعلوماتية على الجوانب الإجتماعية والإقتصادية والدينية والمعيشيّة ، لأن خط الزمن الذي تُشكله العولمة وتداعياتها يسير بنا الى محطة ذات أبعاد تأثيرية عميقة ، تنصهر من خلالها العلاقات الاجتماعية الواقعية ، وتٌهمش الإلتزامات الإنسانية والبشريّة ، وتذوب شمعة المبادئ والقيم التي كُنا في مرحلة سابقة نصارع من أجل المحافظة عليها ، وها هي الآن أصبحت ضحية السطوة والهيمنة العولميّة المٌعاصرة..
من جهة أخرى ، نحن بحاجة لأستعادة هوية رمضان فعلياً ، فـ إذا ماتسائلنا عن هوية رمضان في الوقت الحالي ، فلا أراه اكثر من صوم سالب وليل ساهر ، النوم في النهار والبعض يضع الصلوات موضع قضاء دون إكتراث لأهمية إقامة الصلوات في وقتها ، وفي الليل سهر على محطات الدراما والإنتاج ، وموائد الأطعمة ومسارفها .. حتى بتنا لانفرق بين رمضان والشهور الأخرى .
ختاماً ، أتوق الى إعادة هوية رمضان كالتي كانت عند السلف الصالح ، شهر مُكثف بالطاعات والعبادات ، تصوم فيه القلوب قبل البطون ، والجوارح بأحاسيسها وأطرافها تتدبر كل آية وكلمة وحرف عند قراءة القرآن ، وترتقي الأرواح سمواً في سماء العبادات ، تحارب كل الملذات الدنيوية وموسوعاتها ، والتي سمحنا لها في وقتنا الحاضر بتغييب هوية رمضانِنـا ، وذلك بالإنجراف وراء كل مشروع مٌستجد في منظومة العولمة المٌعاصرة ..ونستطيع نحن أنفسنا أن نعيدها ونحافظ عليها ، فلم نخسر من غيابها إلا أنفسنا التي تاهت وإغتربت في تلك الزحام .. اسأل الله ان يعيننا على صيام النصف الباقي من رمضان والقيام وصالح الأعمال والطاعات ..

1 تعليقك

  1. مقال أكثر من رائع أحييك أيتها الكاتبة سلمى الحجري. الوعي والأصالة ومحبة الوطن والحرص على سلامة المجتمع من أوليات فوائد شهر رمضان بل من أوامر الإسلام وثوابته.
    محمود

Comments are closed.