العلوم السياسية والمواطنة

إن تأسيس قسم العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس يعتبر خطوة نوعية من قبل الحكومة  في تعزيز التنمية الاجتماعية، فالفائدة الحقيقية من تأسيس قسم للعلوم السياسية تتمثل إنه سيسهم في المزيد من التقدم للمجتمع، فهذا التخصص الدقيق سيخلق نوع من الوعي بين الدارسين وبالتالي بدء تحول العلوم السياسية والمشاركة والحوار  لثقافة متداولة بين بقية أفراد المجتمع مما يؤدي الى خلق مفاهيم واعية حول الحقوق السياسية وإيجاد قاعدة أقوى وأوسع لــ” المواطنة” كثقافة وسلوك.

لقد كان المجتمع لفترة طويلة وإلى الآن معتمدا على  المؤسسات الحكومية في الكثير من تفاصيل الحياة اليومية سواء على مستوى  الخدمات العامة، أوالتخطيط الاقتصادي، وأيضا تنمية وتطويرالبنية التحتية, وفي العملية السياسية  حيث كانت الحكومة ولا تزال تقوم بتوفير العديد من المتطلبات الأساسية من بينها  التعليم بالدرجة الأولى.

فارس سلطان الهاشمي

إن ما تحتاجه الدولة الآن هو  اشراك الأفراد و  مؤسسات المجتمع المدني ليتجلى بداخلهم الشعور بأن الشعب ككل لديه صوت ايضا وأنه يمكن أن يقدم اضافة نوعية وديناميكية في الكثير من القرارات التي تؤثر في حياة المواطن، حتى يسهم في تقليل  اعتماد المجتمع على قرارات الحكومة وبالتالي المزيد من المشاركة الفاعلة.

ولذلك فإن  تفويض مؤسسات رسمية معينة في العملية السياسية في الدولة يسهم في تقليص دور المجتمع في المساهمة بأفكاره وقراراته لان حجم وتنوع الافكار المتبادلة سيكون  محدودا جدا، فالسلطنة تحتاج في الوقت الحالي إلى  ان يساهم الشعب بافكار خاصة به وتعكس رؤيته ووجهة نظره تجاه العديد من القضايا والمسائل المتعلقة بمستقبله ولا يمكن أن يتحقق ذلك سواء من خلال اشراك الأفراد ومنظمات المجتمع المدني.

من اجل ذلك يجب على الشعب ان يستوعب حقوقه والتزاماته كمواطن وان يفهم دوره مع الدولة وفيها أيضا. وربطا بكل ما ذكرته سابقا بموضوع تدريس العلوم السياسية، فإن الأخير سيسهم في خلق نوع من الوعي بين الطلبة الدارسين حول طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة— لتجب على أسئلة من نوع : من اين تحصل الدولة على شرعيتها؟ ما هي حقوق المواطن؟ ما هي التزاماته؟.  ولذلك فإنه ومن خلال خلق هذا المستوى  من الوعي، فإن الشعب لن يكون معتمدا على قرارات الحكومة دائما في الكثير من الخطط والمشاريع التي ستكون جزء من حياته في المستقبل.

بالطبع إن تأسيس قسم العلوم السياسية لا يخلق بحد ذاته مفهوم المواطنة ويغير التفكيرولكن المهم ان الجامعة ستبدأ بتدريس هذه المفاهيم وتكرسها كمصطلحات وكقيم مدنية حديثة.  فمن خلال التعليم تنتشر الأفكار . ولذلك أرى أن استخدام التعليم الجامعي يعتبر جزءا بسطيا ومهما في نفس الوقت  من أجل خلق ثقافة المواطنة وهذا الشيء يعتبر متأخرا نوعا في  المجتمع العماني سواء على مستوى الجامعات أو  المدارس على سواء، ولكنه أصبح واقعا مهما لا بد من التفكير فيه تكريسه بشكل جدي وعميق.

وهنا نضرب مثالا تبسيطيا حول أهمية العلوم السياسية في ترسيخ مفهوم ” ممارسة المجتمع دوره في التفكير” عن قضاياه : الكل يدرك الآن أن السلطنة  تواجه تحديات ديموغرافية واقتصادية—سكان السلطنة معظمهم من فئة الشباب  وهم بحاجة إلى فرص عمل خاصة في فترة ما بعد النفط، ولذلك فإن استمرار المجتمع في الاعتماد على قرارات الحكومة وحدها يعتبر خطأ وهو ليس في صالح المجتمع والدولة ككل، فهذا النوع من  القضايا يتطلب التعامل مع الشعب بطريقة مباشرة ليسهم هو الآخر في تحديد الكثير من الحلول لقضاياه.

وأخيرا نرى بانه لا داعي لأن يكون رغبة الشعب في المساهمة بأفكاره وقراراته مصدر قلق للحكومة، فبناء العلاقة المتبادلة بينهما من خلال الحوار والمشاركة في صناعة القرار يعتبر لصالح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهذا كله لن يتأتي سوى من خلال تعزيز ثقافة المشاركة السياسية في القرار سواء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وسيخرج الجميع مستفيدا من هذا المشروع في نهاية الأمر، وهذا تحديدا ما يجعل العلوم السياسية وتدريسها بهذه الأهمية.