العفو السامي: قانونا ومنهجا ورسالة

image

يأتي العفو السامي نهجا متكررا من لدن مولانا جلالة السلطان حفظه الله. هذا النهج لا يمكن فصله عن طبيعة الإنسان العماني بصفة عامة وطبيعة جلالته بصفة خاصة، التي تتميز بالتسامح والأناة والحكمة، وهذه المرة يشمل العفو أفرادا من أبناﺀ هذا الوطن ممن أخطأوا السبيل، فتوجهت أفعال بعضهم للنيل من شخص السلطان بإعابته في ذاته؛ أي بالقدح في شخصه الكريم بما لا يليق أن يُوجّه لأي شخص عوضا عن أن يكون هذا الشخص هو سلطان البلاد؛ ولكن لا يمكن لنفس لم تكن يوما إلا في مراتب السمو والرفعة أن تنظر بسموها المعهود إلى فعل من أخطأ من أبنائها إلا بالعفو والصفح عنهم؛ فالدين يأمر بهذا، والعرف يشجع عليه، والطبع الكريم لا يكون إلا كريما في كل حالاته.

 ومن دلائل هذا الكرم أنه شمل بعفوه من لم يصدر بحقهم حكم مبرم، فقبل أن يقول القضاﺀ كلمته الأخيرة بشأنهم رأى جلالته أن لا يُجزّئ العفو؛ بل يبسطه شاملا للكل، مدانين ومتهمين؛ إذ أنه – وكما هو معلوم – ليس لازما أن يكون كل متهم مدان؛ فالقاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا تثبت الإدانة إلا بحكم نهائي، ولذلك يبقى ترقب القانونيين قائما لمعرفة تفاصيل الأمر، لتمييز نوع العفو الصادر إن كان عاما أو خاصا؛ لما يثبته كلاهما من تبعات وآثار تختلف باختلافهما؛ فالعفو العام يمحو الجريمة بكل آثارها؛ بينما العفو الخاص يمسح العقوبة دون الآثار. ولا يكون إلا بعد صدور حكم مبرم؛ بما مؤداه أن محاكمة من لم يصدر بحقه حكم مبرم تستمر حتى نهايتها، ولكن لا تنفذ العقوبة في حالة صدور حكم بالإدانة.

وبمد البصيرة في أمر العفو يمكن القول بأنه حتى في حالة أن كان العفو خاصا، فقد يأتي الأمر السامي متضمنا وقف استمرار المحاكمات. ولا ضير في ذلك قانونا فمن يملك الأقل يملك الأكثر؛ فالذي يملك إصدار العفو لمحو الجريمة وآثارها يملك الأمر بوقف المحاكمات وإنهائها.

إن هذا الموقف العظيم من رجل السلام والكرم الأصيل تنبعث منه رسائل جديرة بالمتابعة وحقيقة بالتأمّل، ومن أهمها أن مخالفة القانون لم تكن يوما هي الوسيلة الصحيحة لتحقيق الإصلاح لمن كان من الساعين له، والأصل أن يبادر الكل للمساهمة في نهج الإصلاح فهذا فرض رباني على الجميع؛ على أن يكون ذلك بالوسيلة الحسنة. وقد كانت الإشارة إلى ذلك في خطاب جلالته في مجلس عمان عندما تحدث عن الفساد وتعهد بمحاربته منذ سنوات؛ وذلك يلقي بمسؤولية تقع على عاتق كل الجهات المعنية لأن تبادر بكل طاقاتها لمنع أي تجاوز للقانون أو تعطيل لمواده؛ لأن الإصلاح غاية نتيجتها ازدهار الوطن وتطوره، وفي غيابه يتراجع التقدم ويكون الخاسر هو الوطن والمواطن.

ولمن كان ساعيا لخير وطنه فهذه فرصة سانحة لمراجعة تصرفاته، أفرادا ومسؤولين؛ بأن ننضوي جميعا تحت لواﺀ عمان العظيم. ونلتفّ حول قائدها المفدى التفافة تجعلنا نعمل لصالحها، بعيدا عن التنابز والتحاسد والرياﺀ ومخالفة القانون. وأن ينشغل كل منا بمصلحة الوطن؛ فالوطن بحاجة لكل جهود أبنائه، أيا كان حجم هذا الجهد ونوعه، لننعم بعمان المجد والرفعة والسؤدد.

خليفة الهنائي
محام ورئيس محكمة سابق