السبيل إلى الدولة المدنية 2

إن السبيل إلى الدولة المدنية تبدأ من الذات الداخلية، فمتى ما أردنا تقويم أحوال مدينتنا ودولتنا، علينا أولا أن نقوم ذواتنا، وتقويم الذات كما أسلفت يأتي من خلال الالتزام بما نؤمن به وما نطالب به، على أن يكون هذا الالتزام والتطبيق في شتى مجالات حياتنا الخاصة والعامة.

إلا أن الإنسان يشوب إرادته أحيانا خور أو تضعضع بسبب الضغوط والتحديات والتنازعات سواء أتلك التي نبعت من داخله أم من خارجه. ولذا فعليه أن يحيط نفسه بمتاريس أخلاقية وأوعية معرفية تعمل كصمامات أمان ووسائل تقويم وتهذيب يلجأ إليها كلما احتاج، ولذا فمن غير الكافي أن يكوّن الإنسان قناعاته، بل عليه أن يعرض هذه القناعات للبحث والتمحيص بشكل مستمر ودائم، وإلا لانتهى به الأمر في قوقعة متكلسة بعيدة عن النضج الذي يكتسبه بمرور الأيام والأحداث، وبعيدة عن واقع مجتمعه ومحيطه.  ومن بين أبرز الوسائل لتمحيص القناعات العمل بجد على تكوين الذات أخلاقيا وعلميا ومعرفيا من خلال الاطلاع المستمر والبحث الحثيث بشكب موضوعي ومنهجي ووفق أدلة واضحة نزيهة تتمتع بمستوى عال من اليقين تبعد الإنسان عن الانطباعات والعواطف والمشاعر وكلام المجالس. هذا الجهد هو استثمار حقيقي في النفس يعود عليها بالطمأنينة والوضوح والثقة لاتقدر بثمن، ويجعل من الإنسان شغوفا بروح العقل والمنطق والحوار الهادف.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

وما إن ينتهي الإنسان من هذه المرحلة وليتمكن من تمحيص قناعاته وضبطها وتوجيه المجتمع إلى سلوكيات يتوخى فيها الصلاح والسبيل الموصلة إلى الدولة المدنية فعليه أن ينتقل رويدا رويدا من شخصه إلى محيطه، فلا خير في من احتكر المعرفة والخير. وما على الإنسان إلا أن يبعث بالمعرفة والحكمة ، وليس عليه أن يفرض على الناس الأخذ بهما ، ولا له أن يسفه بغيرهما أو برأي يخالفه. وانتقال الإنسان بقناعاته من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي ليس وسيلة لكسب التأييد لفكرته أو بثها بقدر ما هي وسيلة لتمحيص الفكرة والقناعات وتقعيدها وتوثيقها ، ومن بعد نشرها للجمع من منظور نشر المعرفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضمان استدامتها.

من الأهمية بمكان إدراك أن الأفكار والقناعات لا يجب بالضرورة أن تكون “صحيحة” أو مقبولة منذ نشأتها، فقد تكون لحظة ولادتها سبقت زمانها، ولذا فعلينا أن نسمح بالاجتهاد والخطأ. وفي مقالة حديثة لأحد علماء الإدارة في جامعة هارفارد ذكر أن من بين الأسباب التي تبني ولاء بين موظفي شركة ما أو تجعلهم يتعاملون مع أصول الشركة كأنها لهم هو تمكينهم من التعبير عن الذات ومن الوقوع في خطأ.

إن الانتقال من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي يتطلب وضوحا في المقصد ، وإخلاصا في النية ، ومرونة في الطرح ، وحرية في التعبير ، وتعددية في الأفكار ووسائل النشر ، وينتظم ذلك كله في عمل مؤسسي ضمن إطار المجتمع المدني؛ حتى يستطيع الجميع أن يتناول هذه الأفكار والقناعات بمجهر النقاش وتبادل الأفكار بعيدا عن الشخصنة والمصلحة الخاصة، وحتى يكون المجتمع رقيبا حيا وفي ذات الآن وسيطا للانتقال من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي.  وما إن تنتقل الفكرة إلى الوعي الجمعي لم يعد منشؤها مالكا لزمامها؛ فللمجتمع الحق في تطبيقها وتجسيدها أو تحويرها كيفما يشاء، وبذلك تبقى الأفكار والقناعات في حين يفنى الأشخاص والرموز.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com