السبيل إلى الدولة المدنية – الاستطلاع والإطلاع

استمرارا في الحديث عن السبيل إلى تحقيق دولة مدنية على أرض الواقع، وسيرا على نهج إدماج القيم والمبادئ المؤسسة لها في المراحل العملية والواقعية لتجسيد هذه الدولة، لابد من الالتفات إلى قيمة الشفافية والقيمة المرادفة لها أو المشتقة منها: الوضوح.

ترتبطة قيمة الشفافية بأمرين عمليين: المعلومات والإجراءات. فمن حيث المعلومات، علينا في الدولة المدنية الجديدة أن نبني قراراتنا على معلومات حية وصحيحة ودقيقة ، تنقل إلينا نبض الشارع واهتماماته كما تنقل إلينا اهتمامات النخب التجارية والمجموعات ذات الاهتمام المشترك والأطراف السياسية المختلفة.  وفي حقيقة الأمر عادة ما يسهل نقل اهتمامات المجموعات الأخيرة لتركزها في نطاقات بشرية أو مكانية محددة أو لتنفذها ويسر وصولها إلى صناعة القرار، أما الشارع العام والمجتمع الأعم فهما كيانان متناثران ومتباعدان ومتعددا الأطياف، ولكن ذلك لا يغنينا عن رأيهما ولا يعفينا من بذل الجهل لاستطلاع اهتماماتهما ومرئياتهما بشكل منهجي وواضح للجميع، بل على العكس تصبح استشفاف هذه الآراء والمرئيات ضرورة قصوى لإشراك أطراف المجتمع الذيم قد يشعرون بنوع من التهميش أو العجز عن المشاركة. ومن هنا تضحى استطلاعات الرأي والمسوحات مهمة للغاية.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

إن استطلاعات الرأي والمسوحات التي أعنيها هنا ليست بتلك التي تجرى عبر مواقع الانترنت أو الصحف والجرائد، وإنما أعني بها الاستطلاعات والمسوحات التي تجرى وفق منهجية علمية معروفة وحسب خطط زمنية وعملية مدروسة.   وهي تعتمد في تنفيذها على ثلاثة عناصر رئيسة (بالإضافة إلى أخرى فرعية) والعناصر الرئيسة هي : (1) توافر تقبل مجتمعي واهتمام منه للمشاركة بإبداء الرأي مع ضمان السرية والخصوصية بالطبع، (2) توافر مؤسسات ومراكز بحثية مستقلة تهتم بالاستطلاعات والمسوحات وتعنى بها وتحرص على توافرها وتنفيذها استجابة لحاجة مجتمعية وحاجات تخطيطية لإثراء صناعة القرار في البلاد، وبطبيعة الحال تحتاج هذه المراكز إلى عادّين حقليين وإلى موارد مالية لتقوم بهذا الدور على وجه مرضٍ إن لم يكن الوجه الأمثل، (3) توافر مساحة قانونية تسمح لهذه الاستطلاعات والمسوحات بأن تحصل على أرض الواقع دون تدخل ، مما سيسهم في تعظيم دورها في التنمية الشاملة المستندة على مشاركة مجتمعية واسعة ومن خلال معلومات واعية وحية وواقعية.

إن إجراء مثل هذه الاستطلاعات والمسوحات من قبل جهات مستقلة يضفي عليها مصداقية إضافية إلى جانب المصداقية التي تستمدها من منهجيتها العلمية ومرجعية بياناتها ومعطياتها إلى الشعب (غاية التنمية ووسيلتها)، وفي نفس الوقت فإن هذا يسمح بمقارنتها مع وجهات النظر الحكومية أو التحليلات والإسقاطات الحكومية التي ترافق البيانات المقدمة والتقارير المنشورة  من قبلها، كما يسمح للباحث عن المعلومة والرأي من بين ردهات صناع القرار المنتخبين أو المعينيين بالحصول على مصادر بديلة للمعلومة والرأي سواء أكانت خاما أم محللة من مناظير متعددة غير مقيدة بإطار سياسي أو إيدولوجي محدد، ناهيك عن أن إجراء مثل هذه الاستطلاعات والمسوحات سوف يحررها من البيروقراطية التي عادة ما ترافق إجراءات تخطيط مثل هذه الاستطلاعات والمسوحات وتنفيذها على أرض الواقع من قبل جهات حكومية أو ما يرافق إطلاع الملأ على نتائجها من رقابة أو تحفظ.

 

وحتى يكون الاستطلاع ناجعا فلابد من إطلاع الملأ على نتائجه وتوضيح معانيها ودلالاتها ، وتدريب صناع القرار وقادة الرأي على كيفية الاسترشاد بها والاستفادة منها والإلمام بمحدوديتها أو أي قصور قد يشوبها، فالعبرة هنا هي تجويد صناعة الرأي واتخاذ القرار وليس النكاية بجهاز دون آخر أو تسقّط الأخطاء أو اتهام طرف دون آخر بحيازة المعلومة وتحويرها.  والأهمية الكبرى من إطلاع الملأ على نتائج هذه الاستطلاعات والمسوحات هي نقل دفة المساءلة والمحاسبة إلى الشعب بشكل منهجي يسعى إلى إشراكه عمليا (وليس صوريا فقط من خلال الانتخابات) من حيث تقليل الفوارق في الوعي السياسي بين أفراده وتمكينه من فهم حيثيات ووقائع قد تكون غائبة عنها ، وبذا تتحصل ثقافة سياسية بالمعنى العلمي والحقيقي لها.

 

ومن نافلة القول إدراك أن إجراء مثل هذه الاستطلاعات والمسوحات سوف يغنينا عن وكالة “قالوا” ، وسوف يبعدنا عن الشحناء التي تتولد من انطباعات سلبية مستنبطة من معلومات غير واقعية أو حقيقية أو صحيحة يتبادلها الناس عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وسوف ينأى بنا عن مثل هذه التراهات أو إضفاء مصداقية غير مبررة لما يتم تبادله عبر هذه القنوات، والنتيجة الهامة هي بناء جسور من الثقة مع الأجهزة الحكومية ومراكز صناعة الرأي واتخاذ القرار في البلاد؛ لأنها ضرورية لاستمرار أية علاقة اجتماعية أو سياسية أو تجارية، وبذا نحقق الشفافية والوضوح، وتصبح التنمية من صناعتنا جميعا، وبذا أيضا ننهض كافة فيأخذ المتعلم بيد غير المتعلم وينير المثقف وعي أخته وأخيه لتتحقق في عمان دولة مدنية حقيقية.

 

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com