الديمقراطية المنقوصة

مثل المرسوم السلطاني رقم 116/ 2011 الصادر بتاريخ 28 اكتوبر 2011م بتشكيل المجالس البلدية وتحديد اختصاصاتها خطوة هامة وبناءة، وكان بمثابة نقلة نوعية في طريق الاصلاح والمشاركة الشعبية الفاعلة في رسم السياسات وتنفيذ برامج التنمية الذي ينشده كل مواطن مخلص ومحب لوطنه؛ فقد وجدنا فيه مجالا خصبا لكي نقدم شيئا من رد الجميل والواجب لهذا الوطن المعطاء، على ما قدمه ويقدمه لنا كل حين، فقد قمنا أسوة بغيرنا من المواطنين المتطلعين إلى الإصلاح، وهم كثر في بلدنا العزيز؛ بالإعداد لخوض غمار منافسات انتخابات المجالس البلدية. كما أنه وفي معرض قيامنا باستيفاء كل الاشتراطات المطلوبة قدمنا لجهة الاختصاص (وزارة الداخلية) ما يفيد براءة ذمتنا من كل محكومية قد يظن أنها صدرت ضدنا، ولما كانت فترة تقديم المستندات للوزارة (شهر مايو 2012م)، قد ناهزت اربعة اشهر (26/9/2012م) التي جرى في ختامها استبعادنا من منافسات الترشح للمجالس البلدية. تقدمنا بعدها بتظلم إلى معالي وزير الداخلية (بتاريخ 26/9/21012م) مطالبين بتوضيح أسباب استبعادنا وإلغاء قرار الاستبعاد. وبتاريخ 10/10/2012م أفادت وزارة الداخلية أن القوائم النهائية للمقبولين للترشح للمجلس البلدي قد صدرت وأن التظلم قد رفض.

 

د. حمد الغيلاني
د. حمد الغيلاني

وأن الاستبعاد من الترشح يرجع أسباب أمنية. لقد عملنا وبكل جد وإخلاص ومثابرة خلال الأربعة أشهر السابقة (من شهر مايو وحتى نهاية شهر سبتمبر 2012م)، على إعداد برنامج انتخابي للعمل به في المجالس، وكانت لدينا رغبة كبيرة وطموح للمساهمة في تطوير العمل في المجالس البلدية وتحقيق عدة أهداف اجتماعية وثقافية واقتصادية وخيرية؛ لتطوير البلاد والمشاركة الفاعلة في دعم توجهات الحكومة نحو مزيد من التطوير والمشاركة الشعبية في صنع القرار ورسم السياسات. كما قدمنا عددا من التضحيات من أجل هذا العمل الجليل ومنها الاستقالة من العمل، وهذا قليل من أجل عمان، ومن أجل أن نقدم ولو اليسير لخدمة هذا الوطن الكريم المعطاء، ولكن ما يضيم النفس أن قرار الاستبعاد قد تم بعد كل تلك التضحيات ودونما إبداء لأية اسباب، وكان من الأولى بالمعنيين في الوزارة المختصة، أن تفحص الطلبات قبل أن يطلب من المتقدمين الاستقالة من أعمالهم كي تتأكد إن كان هناك أسباب أمنية قد تحول دون ترشحهم.

 

ان كان لها الحق في ذلك بالطبع، وما إذا كان القانون والدستور، قد خولهم ذلك، ثم لماذا تخفى تلك الأسباب؟ أيعقل أن يحدث ذلك في عمان اليوم؟ لا شك أن ما قامت به الجهة المختصة بوزارة الداخلية من استبعادنا من سباق الترشح، بعد أن قبلت منا كل الأوراق منذ أكثر من أربعة أشهر أن ذلك التعسف في اتخاذ القرار، قد تأتى من خلال مخالفة القرار للقانون والدستور، فالفقرة الاولى من المادة (12) المبادئ الاجتماعية من النظام الاساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/96م)، قد نصت على انه (العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العمانيين دعامات المجتمع تكفلها الدولة)، كما ان الفقرة الاخيرة من ذات المادة قد نصت ان (الوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين عليها، ويستهدف موظفي الدولة في أداء وظائفهم المصلحة العامة وخدمة المجتمع، والمواطنون متساوون في تولي الوظائف العامة وفقا للشروط التي يقرها القانون)> وكذا الحال فيما نصت عليه المادة (17) حين نصت على (المواطنون جميعهم سواسية امام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس واللون او اللغة او الدين او المذهب او الموطن او المركز الاجتماعي.

 

كما ان المادة (8) البند (ج) من قانون المجالس البلدية، والذي يشترط الخبرة والكفاءة والسمعة، تنطبق على المستبعدين، وهي تنص على الاتي: يشترط في عضو المجلس من غير ممثلي الجهات الحكومية ما يأتي : ج – ان يكون من ذوي المكانة والسمعة الحسنة في الولاية، والا يكون قد حكم عليه بعقوبة جناية او في جريمة مخلة بالشرف او الامانة ما لم يكن قد رد اليه اعتباره، أهكذا يكون حال وزارة حكومية، كوزارة الداخلية، كان من المفترض ان ينصب جهدها الى دفع المواطنين الى المشاركة في المجالس البلدية والبرلمانية، وان تقوم بالحفاظ على الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين؟ لا أن تحرمهم منها بحجة ان ثمة اسباب امنية تحول دون ترشح فئة منهم؟ أهكذا هي دولة المؤسسات القانون؟ أهكذا يعامل المواطن العماني؟ لأسباب أمنية وكفى؟ دونما تفصيل!

وما تأثير كل ذلك على كثير ممن رفضوا لذات الاسباب؟ من اثار نفسية، واجتماعية ومادية، حيث يتساءل الجميع، لماذا استبعدنا، رغم استيفاءنا لجميع شروط الترشح، وخبراتنا وكفاءتنا ومؤهلاتنا، تمنحنا الفرصة لتقديم الكثير لبلادنا من خلال هذه المجالس، وهل أصبحنا محرومين من حقوقنا المدنية والسياسية، في بلادنا من الآن وصاعدا!؟ فقد رفعنا دعوى ضد وزارة الداخلية بعد استبعادنا من المجالس إلى محكمة القضاء الإداري، تم الحكم لصالحنا في المحكمة الابتدائية، ثم استأنفت وزارة الداخلية، وحكم لصالح وزارة الداخلية في الاستئناف، بناء على المادة (8): من قانون محكمة القضاء الإداري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (91/99) وتعديله بالمرسوم رقم (3/2009) الذي نصه: يتعين أن يكون سند الدعوى في الدعاوي المتعلقة بمراجعة القرارات الادارية، عدم الاختصاص او عيبا في شكل القرار او سببه او مخالفة القوانين او اللوائح أو خطأ في تطبيقها او تأويلها، أو اساءة استعمال السلطة.

 

ويعتبر سبب القرار مشروعا اذا كان مبنيا على اعتبارات امنية. والاستئناف هو اعلى درجات التقاضي لمحكمة القضاء الاداري، علما ان التحفظ الامني، غير مسبب، أي بدون ذكر الاسباب، ومع ذلك فانه قد شل فعل القضاء والقانون، وحكم لصالح وزارة الداخلية في حق الاستبعاد، دون سند قانوني يثبت ان المستبعدين، فعلا قد قاموا بما يخالف القانون، وهم يشكلون خطرا امنيا على مستقبل البلاد والعباد، ان هم شاركوا في المجالس البلدية، مما يطرح تسأل مهما هنا وهو هل التحفظ الامني يعتبر سيفا مسلطا على رقاب كل من ارادت الجهات الامنية منعه من ممارسة حقوقه الطبيعية كمواطن في العمل والمشاركة الشعبية؟ وهل يعني ذلك أن هؤلاء الأشخاص الذين استبعدوا هم ممنوعين من ممارسة حقوقهم المدنية وليس لديهم خيار سوى الانكفاء على أنفسهم او الهجرة خارج البلاد؟ وكيف يستطيع المواطن ان يمارس ابسط حقوقه؟ إذا كان القانون والقضاء عاجزا عن فعل ذلك؟ لله المشتكى والله المستعان.