الدولة المدنية والأجهزة الأمنية!

يثير اعتقال الأجهزة الأمنية للناشطة حبيبة الهنائي، والناشط اسماعيل المقبالي، والمحامي يعقوب الخروصي، وابقاءهم رهن الإعتقال لأكثر من 48 ساعة، مع حرمانهم من حقهم الدستوري في الإستعانة بمحامي، تساؤلات عن دور الأجهزة الأمنية في الدولة المدنية المنشودة، فالفقه القانوني يؤكد على مبدأ سمو الدستور على غيره من القوانين، في حين أن ما تم من إجراءات وممارسات أعطى لبعض القوانين، التي هي مناقضة أصلاً للنظام الأساسي للدولة، أهمية أكبر في التطبيق والتنفيذ؛ فالمادة (24) من النظام الأساسي للدولة تقول بلسانٍ عربيٍ مبين: “يبلغ كل من يقبض عليه أو يعتـقل بأسباب القبض عليه أو اعتـقاله فوراً، ويكون له حق الاتصال بمن يرى ابلاغه بما وقع أو الاستعانة به على الوجه الذي ينظمه القانون، ويجب اعلانه على وجـه السرعة بـالتهم الموجهة إليه. وله ولمن ينوب عنه التظلم أمام القضاء من الاجراء الذي قيد حـريته الشخصـية، وينظـم القانـون حق التظلم بما يكفل الفصل فيـه خلال مدة محددة، وإلا وجـب الافراج حتما”. فكيف تُقْدِم هذه الأجهزة الأمنية على مخالفة واضحة وصريحة لبند من بنود النظام الأساسي للدولة.

وقد يحتج البعض بأن الأجهزة الأمنية قامت بهذه الإعتقالات للناشطين الثلاثة، وتمديد فترة احتجازهم، بناءً على المادة (50) من قانون الإجراءات الجزائية التي منحت مأمور الضبط القضائي استبقاء المتهم لمدة قد تصل إلى أسبوعين قبل إحالته إلى جهة التحقيق المختصة، ولكن هذه المادة، التي جرى تعديلها في العام الماضي بموجب المرسوم رقم 59/2011، تُقيِّدُ تمديد فترة الإعتقال لأكثر من 48 ساعة فقط في حالة الجرائم الواقعة على أمن الدولة والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب، وهو ما لا ينطبق على الناشطين المدنيين الثلاثة، فقد جرى اعتقالهم وهم في الطريق إلى الصحراء لمعرفة أحوال عمال النفط المضربين عن العمل، أي أنهم لم يصلوا أصلاً إلى مكان “الجرم”، ثم إنه وجهت لهم تهمة “التحريض على التجمهر” في حين أنه لم يكن هنالك أي تجمهر بل اضراب لعمال النفط عن الذهاب إلى العمل، وشتان بين الإضراب والتجمهر، ومثلما هو معلوم فإن الإضراب عن العمل ليس من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب! وبشكل عام فإن المادة (50) من قانون الإجراءات الجزائية تحديداً تتناقض أصلاً مع المادة (24) من النظام الأساسي للدولة، ومن المعروف بالضرورة أن أي مادة قانونية تتناقض مع مبدأ واضح وصريح من مبادئ النظام الأساسي للدولة لا يجوز بتاتاً الإعتداد بها أو الإحتكام إليها في أي إجراء.
ناصر صالح
وكم كان مستغرباً أن يرفض الإدعاء العام، برسالة رسمية، طلب محامي الناشطة حبيبة الهنائي مقابلتها في الأيام الأولى لإعتقالها، محتجاً بالمادة 115 من قانون الإجراءات الجزائية، في حين أن هذه المادة تتعلق بإطلاع المحامي على التحقيق في اليوم السابق للإستجواب، وما كان يطلبه المحامي بوضوح وتحديد ودقة هو مقابلة موكلته لا أكثر ولا أقل! كذلك فإن المادة (32) من قانون الإجراءات الجزائية، الصادر بالمرسوم رقم 97/99، تؤكد صراحة على أن “جميع مأمورو الضبط القضائي خاضعين لإشراف الإدعاء العام فيما يتعلق بأعمال وظائفهم، وللمدعي العام أن يطلب إلى جهة الإختصاص النظر في كل ما يقع منهم من مخالفات أو تقصير في عملهم أو يطلب رفع الدعوى التأديبية وذلك دون إخلال برفع الدعوى العمومية”، فلماذا لم يتدخل المدعي العام تجاه هذه التجاوزات في تطبيق المادة (50) التي هي متناقضة أصلاً مع المادة (24) من النظام الأساسي للدولة؟ وفي المجمل فقد أصبح من واجبات ومسؤوليات السلطات التشريعية والقضائية، خاصة بعد الصلاحيات الواسعة التي باتت تتمتع بها، التدخل لحماية مبادئ النظام الأساسي للدولة من أي إجراءات أو ممارسات تتناقض معه من أي جهة كانت، كما أن عليها أن تقوم بمراجعة وتغيير كافة القوانين المتعارضة مع مبادئ النظام الأساسي للدولة.
إن التساؤلات عن دور الأجهزة الأمنية تثيرها أيضاً الإصلاحات الكبيرة التي تمت في عُمان مؤخراً على المستوى الدستوري، والتشريعي، والقضائي، والتي تعتبر نقلة كبيرة على صعيد بناء الدولة المدنية، وكما هو معلوم بالضرورة، فإن أي تطوير في واقع سياسي ما يقتضي أن يواكبه تطوير في المفاهيم السياسية، وبالتالي الخروج من نطاق الفهم القديم الذي ينتمي لوضع سياسي وإداري سابق، إلى وعي جديد للمفاهيم السياسية الحديثة التي تستوعب المستجدات التي تمت، وتواكب المتغيرات والحراك السياسي الذي يجري هنا والآن.
وإذا ما نظرنا إلى الوضع السياسي السابق لهذه الإصلاحات فسنجد أنه لم تكن هنالك سوى الحكومة، أي السلطة التنفيذية، ولديها صلاحيات تشريعية واسعة، وكانت تتبع لها في نفس الوقت السلطة القضائية، مع خضوعها بشكل عام للسلطة الأمنية التي تتمتع بصلاحيات شبه شاملة ومطلقة، ولكن الإصلاحات التي تمت مؤخراً انتقلت بالواقع السياسي في عمان من مفهوم الحكومة إلى مفهوم الدولة الذي يسمو على كل السلطات، وبالتالي أصبحت الحكومة في الوضع الجديد مجرد سلطة تنفيذية ضمن سلطات أخرى موازية لها ومستقلة عنها؛ وهي السلطة التشريعية ممثلة في مجلس الشورى والدولة، والسلطة القضائية، وهذه السلطات كلها مكون أساسي من مكونات الدولة، ويفترض أن تتشارك جميعها في اتخاذ القرار.
إن الصلاحيات الجديدة التي استحقها مجلسي الشورى والدولة تتطلب أن يخرج أعضاء المجلسين ونواب الشعب وممثليهم من إطار المفاهيم القديمة لأدوارهم، وأن يرسخوا مفاهيم جديدة في وعيهم تتواكب مع مسؤولياتهم في الواقع السياسي الجديد، والذي يستوجب بالضرورة مراجعة شاملة للقوانين التي تتعارض مع النظام الأساسي للدولة وتنال من الحقوق والحريات، فمجلس الدولة لم يعد تابعاً للحكومة كما كان سابقاً، بل أصبح مؤسسة تشريعية ورقابية تعمل على ترسيخ مبادئ الدولة الحديثة، وتحقيق أهدافها العليا، كما أن مجلس الشورى لم يعد جهة استشارية خاضعة للحكومة بل أصبح مؤسسة تشريعية ورقابية تمثل كافة مكونات الشعب العماني، وتنوب عنه في اتخاذ القرارات، ولهذا يفترض بأعضائها أن يتعاملوا كأنداد للمسؤولين في الحكومة وليس كأتباع يستجدون المطالب منهم!
ومثلما أن بناء المفاهيم السياسية الجديدة لمواكبة المرحلة السياسية الجديدة ضرورة لممثلي مجلسي الشورى والدولة وللسلطة القضائية فإن بناء المفاهيم السياسية الجديدة ضروري أيضاً للجهات الأمنية، بحيث تعيد تفعيل أدوارها واختصاصاتها بناء على الأفق السياسي الجديد الذي أقره النظام الأساسي للدولة، والتزاماً بالمبادئ التي أرساها، وحالها في هذا كحال بقية السلطات، وبالتالي عليها أن تلتزم بحدود دورها في الحفاظ على أمن الدولة المدنية واستقرارها.
 لقد بات واضحاً أن أكبر خطر يتهدد وجود أي دولة مدنية هو استغلال السلطة الأمنية لقوتها ونفوذها بالتدخل والهيمنة على الحياة المدنية والسياسية، وهذا هو جذر المشكلة التي أدت إلى الإحتجاجات والإضطرابات التي تشهدها العديد من البلدان العربية، فالسلطات الأمنية في العالم العربي ظلت تعتبر أن تمتع السلطات التشريعية والقضائية بصلاحيات واسعة يحد فعلياً من أدوارها ويقلص نفوذها، وهذا هو سبب التعارض المستمر بين الإصلاح السياسي والجهات الأمنية في العالم العربي، بينما تم تقييد صلاحيات هذه الأجهزة الأمنية في الدول المتقدمة بالقانون، وتم تحديد دورها لتكون في إطار المبادئ الأساسية المنصوص عليها في الدستور.
إن بناء الدولة المدنية الحديثة يقوم على التوازن بين جميع السلطات المستقلة، أما إذا طغت إحداهن على الأخريات فإن هذا التوازن يختل، وتحل الفوضى. ومن هنا تنبع ضرورة أن يواكب هذا التطور السياسي الكبير الذي أحدثته الإصلاحات والصلاحيات الجديدة على المستوى الدستوري، والتشريعي، والقضائي تطور كبير أيضاَ في المفاهيم السياسية، حتى يؤتي هذا التطوير والإصلاح أكله وثماره المنشودة في تحقيق العدالة، والمساواة، واستثمار كافة الجهود والطاقات الوطنية من أجل هدف واحد وهو تحقيق المصلحة العليا للدولة العمانية المدنية الحديثة.

6 تعليقات

  1. ناصر مقال رائع وأوافقك في جل ما ذكرته.
    قد يكون تعقيبي خارجا عن الفكرة الأساسية للموضوع ولكنني بالفعل أتمنى في مقالك القادم أن تركز على مفهوم الفروقات بين الدولة والحكومة.
    ألا تعتقد أننا لم نصل الى مرحلة الملكية الدستورية لكي تضع الشورى في جهة والحكومة في جهة أخرى كما في حالة بريطانيا مثلا؟ طبعا مع تعدد النظريات السياسية في هذا المجال أليس الأولى أن يكون الشورى كجهة تشريعية من ضمن الحكومة التي تتضمن أيضا الجهة القضائية والتنفيذية؟ ألا يعتبر مفهوم الحكومة ناقصا اذا ما نظرنا اليها كجهة تنفيذية فقط؟

    • شكراً لك عبدالله على مداخلتك الجميلة.
      التساؤلات التي طرحتها في مداخلتك هي في غاية الأهمية، وبالفعل هنالك إلى الآن عدم وضوح كافي في الوعي العام لدينا بين مفهوم الحكومة ومفهوم الدولة. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أننا لم نعرف طوال العقود الأربعة الماضية سوى مفهوم الحكومة، أما مفهوم الدولة فلم يتشكل ويتضح بناءه لا في الواقع ولا في الأذهان بالقدر الكافي، لذلك يصعب على الكثيرين الخروج من مفهوم الحكومة إلى مفهوم الدولة.
      وبالتأكيد لو أنك بحثت حتى في الإنترنت ستجد الكثير من المعلومات والشروحات لتوضيح الفروقات بين مفهوم الحكومة ومفهوم الدولة. أما بالنسبة لتساؤلك ما إذا كان مفهوم الحكومة سيكون ناقصاً لو نظرنا إليها كجهة تنفيذية فقط، فالجواب طبعاً لا، لن يكون ناقصاً، بل سيكون هو المفهوم الطبيعي، لأن مفهوم الحكومة، في الدول العصرية الحديثة، هي مجرد سلطة تنفيذية فقط. أما الجانب التشريعي في الدولة فتتولاه السلطة التشريعية، والجانب القضائي تتولاه السلطة القضائية، وهاتين السلطتين مستقلتين استقلالاً تاماً عن السلطة التنفيذية أي الحكومة. والسبب في وجود هذه السلطات المستقلة عن بعضها البعض هو لضمان وجود الرقابة على الأداء والمحاسبة وتوسيع دائرة المشاركة السياسية في اتخاذ القرار، وبالتالي ضمان أكبر قدر من تحقيق العدالة وممارسة الحقوق السياسية والمدنية.

      مع جزيل التقدير
      ناصر صالح

  2. دائما أنادي بتحكيم العقل والمنطق وإتخاذ مبدأ الحوار الهادف لحل مختلف القضايا والبعد عن شد الحبل من طرفية حتى لا ينبتر.

  3. الأخ العزيز ناصر.
    هذه دولة بوليسية قمعية من الدرجة الأولى وهذا كله يرجع لصالح المتنفذين وناهبي خيرات الشعب العماني العظيم لا ينفع معها لا الطيب ولا المهادنة حكم العسكر لا زال ماسكا بالسلطة بيديه وأسنانه كيف تريد حكم العسكر أن يزول وهو من يسيطر على القبضة الأمنية في هذا البلد منذ حوالي أربعين عاما ونيف حتى ولو أخرجوا وأزيحوا من مناصبهم بإستحياء لا زالت القبضة بإيديهم وأمور البلد وشركاتهم ومصالحهم ومصالح أخوانهم من أصحاب النفوذ الحاليين والسابقين يحركوها من قصورهم الفارهه والشعب يتضور جوعا لله درك ياعمان من هولاء الفاسدين.

Comments are closed.