الدولة المدنية .. شفافية الإجراءات واستقامتها

تناولنا سابقا – في معرض الحديث عن السبيل إلى الدولة المدنية – موضوع الشفافية كأحد أهم القيم التي تودع الثقة في نفوس المواطنين، وذكرنا أن الشفافية عموما ترتبط بأمرين عمليين وهما المعلومات والإجراءات، ومثلما تعرضنا للمعلومات من حيث وجوب توافرها وإتاحتها وسهولة استيعابها بقصد الوصول إلى الشفافية بين أصحاب الحقوق والواجبات، وسعيا وراء تمكين المواطن وإشراكه، ونبذ اللامبالاة من ذهنية تعامله مع الأطراف ذات العلاقة في مجتمعه، نتطرق هنا إلى الشق الثاني من المعلومات وهو شق الإجراءات ، تأكيد لمقصد الوصول إلى الشفافية.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

عندما تُذكر الإجراءات في سياق الشفافية عادة ما ينصرف المعنى إلى ثلاثة جوانب متكاملة ، وإن تفاوت تجسّد كل منها أحيانا: الجانب الأول هو مدى وجود إجراءات واضحة للحصول على معلومة ما أو خدمة ما أو الشكوى من جراء عدم وجودها أو عدم تكافؤ الفرص في الاستفادة منها، والجانب الثاني هو مدى علم جمهور المستفيدين بهذه الإجراءات ويسر الوصول إليها ونتائج تطبيقها ومدى تحديد الجهة أو الأشخاص ذوي العلاقة، والجانب الثالث هو مدى استقامة تطبيق هذه الإجراءات من حيث: استجابتها لحاجات المستفيدين، وعدالة توزيعها وتقديمها، وعدم محاباتها لفرد دون آخر أو فئة دون أخرى ، وإمكان التظلم عند اكتشاف المحاباة والإنصاف.

ومما ذكر أعلاه يبدو جليا أن أول خطوة على درب الشفافية والوضوح هي صياغة إجراءات واضحة التسلسل ومباشرة اللغة وميسرة التنفيذ، تخاطب الجميع (بلا استثناء)، وتأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية بين فئات المستفيدين، سواء أكانت هذه الفروقات نابعة من اختلافات ثقافية (كاللغة مثلا) أو اقتصادية (المستوى المعيشي) أو اجتماعية (الدور الاجتماعي) أو تعليمية أو غيرها (الإعاقة)، بدون التقليل من شأن أي طرف. ولا ينبغي أن نخجل البتة من تبيان بعض الأمور التي قد تبدو للبعض واضحة، فلربما هي واضحة للجميع ، ولا ينبغي أن نقلق من توظيف طرائق متعددة مثل لغات وطنية عامية أو فصحى، أو رسومات بيانية، أو قوافل توعوية وغيرها، فالغرض هو توصيل المعلومة والفكرة إلى أذهان المستفيدين وضمان تكافؤ الفرص ليأخذ كل ذو حق حقه.

ومن أبرز أغراض هذه الإجراءات، التي ينبغي ألا نغفل عنها، توضيح الطريق للجميع إلى الوجهة النهائية، وتذليل العقبات التي قد تعترض طريق المستفيدين، وتبسيط الخطوات الواجب اتباعها للحصول على النتيجة المطلوبة، ألا وهي تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. وحتى تستطيع أن تؤتي هذه الإجراءات أكلها ويتحقق للمستفيد المنفعة من تطبيقها، كان على جمهور المستفيدين بالضرورة أن يعي بوجودها، وأن تتاح له ليتعلمها وأن يفهمها، كي يؤدي مسؤولياته وواجباته، وبالمثل كي يستمتع بحقوقه. وليس من الواجب على المستفيد أن يمعن البحث طويلا للوصول إلى ما يبتغيه من إجراءات، بل على الجهة مقدمة الخدمة أو المعلومة أن تقوم بذلك ميسرة على المستفيد سبل البحث أو سبل الوصول؛ لأن في وصوله إلى حقوقه وواجباته نجاح للجميع في أدوارهم المجتمعية.

ولضمان اتباع هذه الإجراءات، وتحقيق دولة القانون والمؤسسات، وتمكين الدولة المدنية المستقلة عن الأهواء والنزعات، كان لابد وأن تطبق الإجراءات بحذافيرها وبشكل متساو على الجميع، ولابد من التعامل معها بصرامة ووضوح وشدة إن استدعى الأمر. ومن الإنصاف التوضيح أن التعامل بانضباط ووضوح مع هذه الإجراءات يعتمد كثيرا على المواطنين وجمهور المستفيدين؛ فإن هم ركنوا إلى الاستفادة الشخصية على حساب الانضباط والعدالة للجميع والتحلي بالصبر والخلق الحضاري المتمدن، فقدت هذه الإجراءات فاعليتها وكفاءتها، وإن هم حرصوا على تقديم المصلحة الجماعية على مصالحهم الشخصية من خلال استقرار سلوك مستقيم حيال تطبيق هذه الإجراءات، وعدم محاولة الالتفاف عليها لمصالحهم الشخصية وعلاقاتهم الخاصة، أصبحوا (أعني المستفيدين من مواطنين وغيرهم) هم سادة الموقف ، وانتقلت المحاسبة والمسؤولية إليهم.

وكتطبيق للفقرة السابقة فلنلحظ تصرفاتنا في الشارع ونحن نقود السيارات، خاصة أولئك الذين يستخدمون أكتاف الشارع أو يبحثون عن طرق مختصرة، أو حين يقطع مار أمامنا الطريق أو يحاول ذلك. هل ندرك في مثل هذه اللحظات مدى وضوح النظم ومدى معرفتنا بها ومدى التزامنا والتزام الآخرين بها؟ ونحن نتفاعل مع هذه الأحداث اليومية: إلى أي مدى بقت هناك أناة وصبر وتحمل؟ وإلى أي مدى سرت روح استباقية محمومة؟ وبالمثل فلنلحظ تصرفاتنا والتزاماتنا ونحن نصطف طابورا للحصول على خدمة أو لتسديد فاتورة مثلا.  تشير الدراسات إلى أن انتشار مثل هذه السلوكيات عادة ما يرتبط بتوجس داخلي نابع من قلق أو خوف من وقوع ظلم أو فقدان حق أو تقديم شخص آخر يتمتع بنفوذ أو قوة بدنية، ويمكن إجمال أنماط القلق هذه وأسبابها في عدم استقرار سيادة القانون. فالقانون في نظر البعض لا يعدو أن يكون أداة سياسية أو إعلامية لا محل لها على أرض الواقع، فيغيض الاطمئنان وينمو القلق ويتكاثر الاستباق (لا التنافس). إن استتباب حكم القانون عائد في المقام الأول لنا نحن المواطنون. إننا ما إن نبدأ باستثناء واحد: ينفرط العقد ويصبح الاستثناء هو القاعدة ، وتعم الفوضى ، وهذا ما لا نتمناه لبلادنا الحبيبة.

إن تناول موضوع الشفافية من منظور المعلومات أولا والإجراءات ثانيا لينبثق من قناعة أكيدة بالدور المحوري الذي سيلعبه أبناء وبنات هذا الشعب العظيم –  إن هم منحوا أنفسهم هذه الفرصة – في بناء دولة يشعر الجميع فيها بالمساواة وضمانات تكافؤ الفرص؛ دولة لا يسعى أي فرد منها للحصول على ميزة إضافية عن طريق المحسوبية أو العلاقات الشخصية، ملتفا بذلك على الإجراءات والنظم التي ما جعلت إلا لتحمي الجميع وتحرص على الحد الأدنى من الضمانات، وإنما يقف في وجه من يروم أن يلتف على القانون والنظم والإجراءات. إلا أن هذه الضبطية التلقائية المستندة على حس المواطنة المدنية لا يمكن أن تتأتى – بطبيعة الحال – ما لم يكن لدينا قناعة بأهميتها ومحوريتها ، وما لم تكن هناك ثقة في تطبيقها على قدم المساواة، وما لم هذه تكن الإجراءات بادئ ذي بدء مصاغة بشكل واضح ، ومتاحة للملأ بأكثر من طريقة ووسيلة، وما لم يكن الفرد قادرا على القياس والتقويم والمتابعة بشكل مؤسسي ومنهجي يبتعد عن الشخصنة.

إن الجوانب الثلاثة لشفافية الإجراءات تمس أكثر ما تمس موضوع بناء الثقة بين الطرفين الأساسيين في المعادلة الوطنية: المواطن والحكومة (بسلطاتها الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتعد ركنا أساسيا في بناء دولة يراد أن تعم فيها سيادة القانون وحكمه. والإجراءات إن صيغت بشكل واضح وسلس يخاطب جميع الأطراف والفئات، وأتيحت لعلم جميع الملأ في العلن، وتم تطبيقها على الجميع بشكل متكافئ، أصبحت مدرسة عملية وناطقة وحية للمواطنة المدنية: يستطيع الإنسان من خلالها أن يتعلم عن جوانب متعددة من الهيكل الإداري والخدمي للدولة، وبذا تكون قد نجحت في تجسير الهوة بين الفروقات الفردية في الوعي السياسي بين أفراد الشعب الواحد، وإيجاد جو من اللحمة الوطنية.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com