الدولة المدنية: الفلسفة والتطبيق

من بين الأسئلة الكثيرة التي ترد في أذهان المهتمين: ما الفرق بين دولنا الحالية والدولة المدنية؟ أليست أنظمتنا العربية والأخص الخليجية نظم مدنية وتشاركية وتكافلية تتمتع شعوبها بحريات اقتصادية وفكرية بالقدر الذي يؤهلها لأن يطلق عليها صفة الدولة المدنية؟ وبدل الإجابة على السؤال بنعم أو بلا، عادة ما أنصرف إلى تبيان معايير الدولة المدنية وأطلب من سائلي أن يقيس بها وضع الدولة في بلادنا والأنظمة العربية والخليجية ويخلص إلى نتيجته تلقائيا وذاتيا.

من بين أهم المعايير التي تميز الدولة المدنية عن غيرها مسألة الفلسفة (أي المفهوم والفكرة) التي تقوم عليها الدولة. فالدولة المدنية لا تقوم على فلسفة الوصاية بل تقوم على فلسفة الحِسبة. والوصاية عادة ما تعني في هذا السياق احتكار الوعي السياسي أو المعرفة السياسية في يد شخص معين أو مجموعة بحد ذاتها (قد تكون أسرة أو حزبا أو قبيلة أو مجموعة من هؤلاء وهؤلاء)، وتبنى الوصاية على افتراض أن باقي الشعب جاهل وغير ناضج لأن يتولى شؤون نفسه وأمور حياته، وبالتالي لا بد من وصي على هذا الشعب يقوم مقام الأب الوالد ويتخذ قرارات بالإنابة عن هذا الشعب، وذلك لا محالة مؤد إلى احتكار الحقوق السياسية والمدنية في الشخص أو المجموعة آنفة الذكر. وكما هي حال العديد من الآباء رغبة وحبا في استقرار الأمور يعتادون على طريقة معينة في تنفيذ الأمور والتعامل مع أفراد أسرتهم دون أن يدركوا أنهم يكبرون وينضجون مع الأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية والاهتمامات الشخصية، فكذلك هؤلاء الأوصياء، ومثلما أن الأب لا يرغب في أن يشب أبناؤه عن الطوق ، ولذا يرميهم بالعقوق إن هم رأوا رأيا مخالفا أو أرادو أن يستقلوا بأمور حياتهم كيفما شاءوا ويتحملون مسؤولية ذلك، وكذلك يفعلون الأوصياء السياسيون.

أحمد بن علي بن محمد المخيني*
أحمد بن علي بن محمد المخيني*

وقد يستدرك سائل ويقول أن المقاربة بسيطة وسطحية بين الدولة والأسرة، وسأطلب حينها منه أن يتمهل ويمعن النظر؛ فالدولة كالأسرة تماما تُبنى على توافق أولي (ينظمه عقد) في توزيع المهام والأدوار مع الإدراك التام أن دوام الأب أو الأم في دفة القيادة إلى الأبد محال، ولكن ينظر إليهما من منظور زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون، وأن دور الأم والأب توفير البنى الأساسية للنشء، وهما وإن كانا مرحليا أوصياء إلا أنهما في نهاية الأمر محاسبان.  ومن المعلوم أن الأسرة في بادئها تحتاج إلى أب وأم رؤومين حازمين في آن واحد وبكل ما تعنيه الكلمتان من دلالات، وهما في ذات الوقت مدركان أن عليهما إعداد جيل قادر على تسيير الدفة من بعدهما؛ وكذلك الحال في الشركات التي تروم الاستمرارية، فهي تعمل بشكل دؤوب على أداء وظائفها وفي ذات الوقت تسعى لإعداد من يعقب في دفة القيادة لكي تستمر الحياة وتستدام التنمية ، وبالمثل فعلى الدولة أن تنشأ على أساس أن القائمين عليها ليسوا بأوصياء أبد الآبدين بل على أنهم مكلفون بإنشاء الدولة وتجهيزها ليتولاها من خلفهم وهم على ذلك محاسبون.

أما الدولة المدنية فتبُنى فلسفتها على الحِسبة ، وهي أصل مفهوم الحوكمة التي تجعل من المحاسبة مسؤولية جماعية على المسؤول أن يتقبلها ويطيعها كائنا من كان. والحاكم يتولي منصبه بعهد وميثاق بينه وبين الشعب في علاقه سياسية وليست اخلاقية أو عاطفية محمومة، والعلاقة السياسية تتطلب عقدا يلزم الطرفين بحقوق وواجبات، تقام على أساسها الحسبة والمحاسبة للطرفين، وبهذه العلاقة السياسية المقننة يشرف الحاكم على حفظ الحقوق الطبيعية ممثلة في الكرامة الإنسانية والأمن (الإنساني والفردي والجماعي) والمِلكية الخاصة والمعتقدات والمساواة والحرية باعتبارها حقوقا مقدسة، ويلتزم الشعب بإطاعة القوانين وحفظ النظام وإقامة الحقوق والواجبات.

ومن الإرث الإسلامي الراشد لدينا منارات؛ فهاهو الخليفة أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) عند توليه إدارة أمور المسلمين يوضح المعيار “وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ؛ وإن أسأت فقوموني ؛ الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”، ومن أقوال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): “إنما ولينا على الناس لنسد لهم جوعتهم ونوفر لهم حرفتهم فإن عجزنا عن ذلك اعتزلناهم”، وقول عثمان بن عفان (رضي الله عنه): “إن الله ليزع بالسلطان (النظام أو القوة أو السلطة الحاكمة) مالا يزع بالقرآن”. وليس أبلغ من قول الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): ” أيها الناس أما حقكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم ( الخراج وما يحويه بيت المال ) وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم (اي ضبط سلوككم بالحسبة والقانون) كيما تعلموا” . وبذا إنما جعلت الحكومات لتأخذ من القوي للضعيف لتمنعه وتسد جوعه وفقره ، وتكفل له حريته وأمنه وحرمة مسكنه ، وتحقق إنسانيته بعلم أو حرفة أو مهارة، فإذا ما أوفت الحكومات بجميع هذه الحقوق صار لها أن تتقاضى واجبات الشكر والطاعة من المواطنين، لأنهم هم مصدر شرعيتها وديمومتها، وإنما وجدت الدولة ونظام الحكم من أجل منفعة هذا الشعب، وليس العكس.

ومثلما تختلف الفلسفة بين الدولة المدنية المنشودة والدول السائدة في بلداننا، تختلف تجسدات معيارين هامين آخرين: سيادة القانون والسلطة المقيدة، وذلك ما سنطرقه في حديثنا القادم.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com