الثقافة بين المقاطعة والتغييب

مشهد ثقافي متعدد التيارات، والتوجهات لكن شيئا من ذلك لا يتشكل ولا يكتمل حتى اكتمالا بشريا. وكل طرف من أطراف المشهد “المثقف، والمؤسسة الثقافية، والإعلام” يركل الكرة إلى الطرف الآخر. ويعتقد أن الطرفين الآخرين هما المحلقان خارج السرب، بينما هو الوحيد الذي يملك الحقيقة وخارطة الطريق.
والتنافر بين المثقف وبين المؤسسة الثقافية ليس وليد اليوم أو وليد المشهد العماني بل هو موجود في أكثر المشاهد العربية. لكن العلاقة بين الإعلام وبين الطرفين الآخرين في الغالب تكون علاقة تكاملية ومرممة، تصل أحيانا إلى حد الغرام. لكن حتى هذا الأمر في عُمان ليس بالصورة المخملية التي نعتقدها. فبعض المثقفين يقاطعون الصفحات الثقافية في صحفنا، ويقاطعون ملاحقها الثقافية.. المنابر التي احتضنوها واحتضنتهم، وكبرت معهم يوما بعد آخر، وصارت قوتها وحضورها من قوتهم وحضورهم. وكذلك تفعل المؤسسة الثقافية، فلا ترى في الإعلام إلا مساحة لنشر صورة وردية لها، وفي الوقت الذي تراه مناسبا حتى لو كان ذلك مخالفا للمهنية وأقرب إلى المزاجية والصعودية.
في حوار سابق مع مسؤول رفيع في وزارة التراث والثقافة قال إن الإعلام غائب عن الفعاليات الثقافية. لكن الأكيد أن الإعلام الثقافي مغيب عن المشهد. وليس له الحق في الحصول على المعلومة إلا بقدر ما تريد مزاجية المسؤول.
وحتى لا يكون الأمر ضربا من التنظير والكلام، فسأعطي بعض الأمثلة التي حاولنا في شرفات جاهدين الوقوف عليها وإعطائها حقها لكن كانت الأبواب مغلقة بالحديد والشمع الأحمر. أعتقد أن الجميع يتفق على ان جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب ليست جائزة أمنية حتى تحاط بسياج حديدي وشرائح فولاذية عازلة عن الصحافة وتتبع آخر أخبارها. انتهى وقت تسليم الأعمال المتسابقة وتم فرزها وحصر أعدادها، وحاولنا مرارا الحصول على معلومات عن كل ذلك، وعن الأعداد المتقدمة للجائزة في كل فرع كما يحصل في كل الجوائز الثقافية في المنطقة والعالم إلا أن كل محاولاتنا تتكسر عند حاجز الوعود. ونعرف أن مجلس الأمناء اتخذ قرارات مهمة في اجتماعه الأخير لكن كل ذلك ما زال مصّدر بعبارة “سري للغاية” وإلا لما حجب عن الصحافة التي كانت تسعى وراء معرفته.
وقبل أيام نظمت وزارة التراث والثقافة ندوة استثنائية غاية في الأهمية في منظمة اليونسكو في باريس إلا أن الصحافة كانت مغيبة عن المشهد، وأُرسل من باريس خبر لا يرقى إلى حجم الندوة وأبعادها. أرسلت الكلمات التي ألقيت وبرنامج الحفل، وبعض الصحف مع الأسف الشديد نشرت البرنامج كما جاء بدون أدنى تدخل مهني، وبعضها الآخر حجم الخبر بقدر تحجيم دورها من المؤسسة. ومنذ خمسة أيام أرسلنا في شرفات نسأل عن أوراق العمل التي ألقيت في الندوة بهدف الاشتغال على ملف حولها إيمانا منا أن الندوة تستحق، وأن تاريخ وتراث عمان يستحق أكثر مما نستطيع، لكن حتى لحظة مثول هذا الملحق للطباعة لم يأتنا أي رد.

عاصم الشيدي – صحيفة عمان

كنا نأمل على أقل تقدير أن يتم إخطار وسائل الإعلام بالندوة قبل فترة كافية حتى تسطيع أن تتدبر أمر ابتعاث مندوب لها للندوة إذا كانت ميزانية الندوة لا تسمح بإضافة صحفيين إلى قائمة الوفد، أقول ذلك ولا أنسى أن أذكر أنني خاطبت مسؤولا رفيعا في الوزارة عن رغبة الجريدة في ابتعاث صحفي يغطي فعاليات الندوة وأبدى ترحيبه بالفكرة لكن جاء الرد لاحقا أن الوقت ضيق جدا لإنهاء الإجراءات. والأمر نفسه يحصل الآن في مهرجان المسرح الخليجي المنعقد في مدينة صلالة. والميزانية كما يقول منظمون دائما تقف عائقا أمام اكتمال المشهد. لكن نعتقد أن الأمر ينقصه رغبة حقيقية في وجود الإعلام، وإيمان أن ليس هناك قيّم على الثقافة وعلى المشهد الثقافي، وليس لأحد الحق في أن يمسك بقطارة يعطي فيها ما يشاء متى ما يشاء. ويختفي خلف حجبه متى يشاء ويتجلى متى يشاء. بل نعتقد أن على الجميع أن يعملوا من أجل الهدف الأسمى، وباكتمال عناصر المشهد ودون تهميش أو تغييب لأحد