الإسراء والمعراج.. “حدث مفصلي ” يتجاوز الزمان والمكان

 لا يمكن لذكرى الإسراء والمعراج إلا أن تثير لدى أفراد الأمة الإسلامية  مشاعر وأحاسيس تحاول استحضار تلك المعجزة وما حدث خلالها من وقائع وأمور. طبعت حياة المسلمين إلى الأبد. تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أصناف الأذى القرشي منذ اليوم الأول من بعثته، وأخذ الأذى يتنامى مع بدء دخول الطلائع الأولى من الصحابة للإسلام، ليبلغ التضييق مداه خلال السنة العاشرة من البعثة حيث توفي عمه أبو طالب وتوفيت خديجة زوج النبي ليسمي الرسول العام بعام الحزن  ولما ضاقت به مكة توجه إلى الطائف فالتجأ إلى بستان يلتمس فيه الحماية.

جلس النبي عليه أفضل الصلاة رافعا عينيه إلى السماء يناجي ربه بدعاء خالد يعرفه كل مسلم : “اللهم إليك أشكو ضَعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن رحمتك ـ أو عافيتك ـ أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

في هذا السياق، جاءت معجزة الإسراء والمعراج تعزية لرسول الله من جهة و جاءت دليلا آخر على صحة نبوته من جهة ثانية. الإسراء والمعراج كانت الشرارة الأولى لانطلاق قواعد الدين الإسلامي، بحكم فرض الصلاة على العباد، وهي حادثة أعجز بها الرسول قومه حيث أتى لهم بوصف دقيق لبيت المقدس الذي لم يزره قط في حياته، ووصف لهم أبوابه السبعة وغيرها من الأوصاف الأخرى.

إن اختيار بيت المقدس مسرى لرسول لله يحمل أكثر من دلالة، ومنها الإشارة إلى وراثة الإسلام لما سبقه من رسالات سماوية. ومنها لفت نظر المسلمين اليوم إلى محورية تحرير بيت المقدس في بناء كيان الأمة الإسلامية، وتأتي ذكرى الإسراء والمعراج لتنبه المسلمين حكاما وشعوبا لمأساة بيت المقدس والمقدسيين وأهل فلسطين عموما، ومسؤوليتهم الدينية والتاريخية فيما يتعرضون له من تنكيل وتقتيل وتهجير وتجويع.

هذه الذكرى المهمة في حياة المسلم  تفرض عليه أن تملة الاسلامية إلى رؤية مختلفة  تجاه بناء المجتمع الجديد وفق سيرة رسول الله حتى يعرفوا القيم والرؤى العميقة التي تتمسك بها، ويلتعرفوا على كل حيثياتها وجوانبها المشرقة، ومنها معجزة الإسراء والمعراج . إن معجزة الإسراء والمعراج لم تكن ـ ولا يصح أن تكون ـ حدثا مرتهنا بزمن أو مرحلة تاريخية ولّت، و إنما مدرسة للتكوين بما يقتضيه كل زمان ومكان.

مسقط  – البلد