ابن البلد يكتب: عقود الاذعان

٢٠١٢٠٥٢٧-٠٠٤٦٣١.jpg

منذ أيام قادني سوء الحظ إلى كارفور سيتي سنتر السيب. ذهبت بصحبة صديق كان قد اشتري في اليوم السابق هاتفا محمولا وأراد أن يرجعه لصعوبة استعماله ويشتري نوعا آخر من المحل نفسه. سلسلة طويلة من المساومات بدأها معنا موظف خدمة الزبائن (من جنسية عربية) لكي يقنع صديقي أن الهاتف جيد، وعندما يئس من إقناع صديقي، قلت له: ما عليك إلا أن تعيد الجهاز إلى الشركة المصنعة خاصة وأنها شركة عالمية كبيرة لن يضيرها إرجاع جهاز من أجهزتها لعدم قناعة المستهلك به.. ولن تخسر أنت ولا كارفور شيئا. عندما تأكد من إصرارنا على إعادة الجهاز تغيرت لهجته، وبدأ في تذكيرنا بسياسة كارفور التى تمنع إرجاع أجهزة الهواتف، ثم جاء بمدير الفترة وهو من جنسية عربية أخرى، إلا أنه رفض بصلف شديد أن يناقش الأمر معنا وقال هذه سياستنا.. عبثا حاولنا إقناعه أن سياسة كارفور يجب أن تكون عالمية ولا يجب أن يفصل لنا كارفور أو غيره سياسات خاصة بنا فقط تنتقص من قدرنا.. ولو كنا في أوروبا لأرجعنا الهاتف في دقيقة واحدة ودون سؤال، إلا أنه بنفس الصلف قال: وهل أنتم في أوروبا الآن؟
عندما أعيانا الوقوف أمامهما لنحو الساعة ألقيت إليه ما ظننت أنها آخر أوراق الضغط: سوف أشكوكم إلى هيئة حماية المستهلك.. وربما نقيم دعوى قضائية عليكم ..نظر إلي ساخرا وكأنه يريد أن يقول لي: أعلى ما في خيلك اركبه!!

الواقع أن ما تفعله بعض المحال التجارية الكبري مع المستهلكين لا يقبله عقل ولا دين ويخرج في كثير من الأحيان من إطار التجاوزات إلى حيز الجرائم التى لم يعد من المقبول السكوت عليها. كل من سافر إلى الخارج خاصة أوروبا وأمريكا شاهد كيف تصون هذه المحال حقوق المستهلك دون الحاجة إلى هيئات ولجان وجمعيات لحماية المستهلك. الطريف أن هذه المحال الكبرى التى لدينا وهي في الأصل فروع من المحال الأوروبية والأمريكية تطبق سياسات مزدوجة عندما يتعلق الأمر بحقوق المستهلك العربي. هناك يرفعون لافتة تقول “نضمن إعادة أموالك كاملة في حالة عدم رضاك عن السلعة المشتراة وبدون سؤال عن سبب الإرجاع”، أما عندنا فتواجهك دوما اللافتة الخالدة التى تقول بكل تبجح “البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل”.

هذه السياسات الجائرة وغير الإنسانية يجب أن تتغير لكي تتطابق مع سياسات المحلات نفسها في الدول الأخرى. فخالد الذكر “كارفور” له أكثر من ٩ آلاف فرع في ٣٢ دولة في العالم -حسب ما يقول موقعه الرسمي على الانترنت-، ولكن فروعه في الدول العربية فقط تطبق سياسات مختلفة بعيدة كل البعد عن حماية حقوق المستهلك.

لا تسألني عن هيئة حماية المستهلك فهي مشغولة -اعانها الله- بالحملات على البقالات الصغيرة في الحارات الضيقة لضبط السلع التى قارب تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، أما المحلات الكبري مثل كارفور وغيرها فهي محصنة، لا يستطيع أحد الاقتراب منها أو مراجعة سياساتها التى تأكل حقوق المستهلك دون أن يحاسبها أحد.

وفي كلمتين وبس نقول: إن هيئة حماية المستهلك يجب ألا تبقي “مظهرا حضاريا” فقط كما تقول عن نفسها في موقعها الإلكتروني.. وأن تتقدم الصفوف وتراجع سياسات المحال الكبرى وتحذف منها كل شروط الخضوع والإذعان ..ولا مانع من أن تقوم بإعداد دورات تدربيبة لمديري هذه المحال في كيفية التعامل مع المواطنين المستهلكين، الذين يدينون لهم بالفضل في التواجد بيننا والحصول على رواتبهم.