ابن البلد يكتب: المزارع السمكية.. والمزارع البشرية

من تجلياتنا الرائعة- وليسمح لي الكاتب الرائع محمد بن سيف الرحبي ان استعير منه هذا التعبير – اننا نحرص حرصا شديدا ومبالغا فيه احيانا  علي مواكبة كل جديد في العالم ونقله الينا بحذافيره وكما هو حتي وان كنا لا نحتاج له، بل ويصل الامر الي الافتتان بهذا الجديد الي حد سفر وفود رسمية لجلبه واستقدام الوفود الاجنبية واستضافتها لمدد مفتوحة لتعريفنا به، وانفاق الاموال والاوقات وملء صفحات الصحف بتصريحات المسؤولين عن فتوحاتهم في الامر والتبشير بالخير الوفير الذي سيأتي من ورائه.. وفي النهاية لا يأتي شيء ولا يسأل احد عن ما تم وما لم يتم. اقول ذلك لسببين؛ الاول هو زيارة وفد رفيع المستوي من وزارة الثروة السمكية الي كوريا والتصريحات التي اعقبت الزيارة حول نقل تحربة هذه الدولة الاسيوية في انشاء المزارع السمكية بل وتشكيل لجنة او هيئة (وما اكثر اللجان) لهذا الغرض. والسؤال هل نحتاج بالفعل الي مزارع سمكية ولدينا كل هذه المسطحات المائية التي حبانا الله بها؟ ولاذا ننفق الاموال على انشاء هذه المزارع ونحن لم نستغل بعد كل ما لدينا من بحار؟ ثم هل جرب احد تناول اسماك المزارع السمكية المشبعة بالهرمونات وعديمة المذاق؟ ام ان المسألة كلها تقليد فقط وضجة اعلامية لزيادة النشر الصحفي عن الوزارة؟ أعرف ان غيري قد يطرح اسئلة أكثر حدة في هذا السياق ولكننى اكتفي بهذه الاسئلة البريئة.

السبب الثاني هو اعلان غريب نشرته كل الصحف اليومية السبت الماضي تطلب فيه الكليات التطبيقية التابعة لوزارة التعليم  العالي من الشركات المتخصصة في توريد العمالة الدخول في مناقصة لتوريد مدرسين في الاتصال والاعلام لهذه الكليات للعام الحامعي القادم. عندما قرأت الاعلان كنت حائرا هل اضحك ام ابكي على هذا الوضع المقلوب. المعروف ان وزارات التعليم العالي في الدول كلها تقريبا هي بمثابة بيت خبرة وطني في المجال الجامعي يجب ان تكون هي المرجعية لا ان تبحث عن مرجعيات خارجية سواء في انشاء التخصصات الجامعية او توظيف الاساتذة. هل وصل الامر بوزارة عالية المستوي ان تطلب الاستعانة بشركات محلية وعالمية لاستقطاب اعضاء هيئة تدريس لها في تخصص معين؟ واذا لم تكن الوزارة قادرة على ادارة برامج هذه الكليات فلماذا لا تريح الوزارة “رأسها” وتمنح هذه الكليات الاستقلال وتتركها وشانها الاكاديمي وتطلق يدها في تأسيس البرامج او في استقطاب المدرسين؟

وعلي خلاف ما فعلت في موضوع المزارع السمكية فانني لا يمكن ان انهي الحديث عن الكليات التطبيقية لانها مزارع بشرية وليست سمكية، دون ان اثير بعض الاسئلة غير البريئة التى يمكن ان يطرحها البعض مثل: ما جدوي هذه البرامج “الغريبة” في الاسماء والمضامين؟ وما جدوي الاصرار على استمرارها طالما ان الوزارة  غير قادرة على توفير الاساتذة لها، ثم لماذا تم استيرادها من الاصل من دولة لا تشبهنا في أي شيء ولا تربطنا بها اي سمات مشتركة، ولا تناسب واقعنا الاعلامي والاتصالي واجبار الطلاب على دراستها باللغة الانجليزية؟. هل نحتاج الى تكرار الـ “كلمتين وبس”.. نعم:  من الوارد جدا ان تفشل بسبب نواياك الطيبة.. ولكن من الشجاعة ان تعترف بذلك ولا تستمر في تعاطي هذا الفشل.

ابن البلد