ابن البلد يكتب: أهل الثقة وأهل الخبرة


الثلاثاء الماضي فاجأنا الكاتب الصحفي الأستاذ محمد بن سيف الرحبي في تشاؤلاته التي أحرص على قراءتها كل صباح بحديث طال انتظاره عن فلسفة التعيين في الوظائف العليا، وقال بالحرف “من تجلياتنا الرائعة أن تسمع عن تعيين شخص في موقع لا يعرف عنه شيئا.. ذلك يشبه بأن تضع البستاني في ورشة تصليح سيارات، هنا الخسارة مركبة: تخسر الأرض ذلك العارف بها، ويزداد عدد السيارات “الخربانة”.. يبدأ الشخص “غير المناسب” في المكان “غير المناسب” بادعاء أنه فاهم، أو القول إنه “ما فاهم” ويحتاج إلى وقت “ليفهم”.. وتمر السنوات وتتكاثر، وكل ذلك محسوب من عمر التنمية، هكذا تظهر الأخطاء حاليا، وما خفي كان.. (لا أقول الكلمة، بل هي معروفة)”. نكأ الرحبي الجرح الذى لم يقترب منه أحد منذ سنين، وإن كان قد آثر السلامة بعدم الإشارة الصريحة إلى من يقصد بكلامه وهم كثر بلا شك. كل يوم تقريبا نسمع عن أشخاص وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة وقد نقلوا من وظائفهم الأصلية إلى وظائف قيادية مهمة لا يعلمون عنا شيئا، ثم تبدأ مرحلة التعلم والدراسة التي قد تطول لسنوات قبل أن تظهر بصماتهم على المؤسسة.

وإذا كان الرحبي قد نظر إلى الأمر بأسلوبه الساخر على أنه من التجليات الرائعة في حياتنا، فإننا يمكن أن ننظر إليه من منظور آخر على أنه أصبح من موروثاتنا التاريخية ولوازم حياتنا المعاصرة التي تعيق حركتنا وتبطيء وتيرة تقدمنا إلى الأمام، إن لم تكن تدفعنا خطوات إلى الخلف. كثيرون هم أهل الثقة الذين هبطوا بالباراشوت على وزارات ومؤسسات وهيئات دون أن يكون لديهم سابق معرفة عنها، ليتوارى أهل الخبرة إلي الظل. المشكلة ليست فقط كما قال الرحبي إن هؤلاء قد يكونون أشخاصًا غير مناسبين للوظائف الجديدة، ولكن أيضا في أنهم أخذوا حق غيرهم من أبناء الوزارة أو المؤسسة أو الهيئة الذين قضوا سنوات في العمل واكتسبوا خبرات كبيرة على مدار سنوات كانت تؤهلهم لتولي المناصب القيادية، إلا أن القادمين من الخارجين والهابطين عليهم من السماء حرموهم منها.

أعرف صديقا كان ملء السمع والبصر في وظيفته الكبيرة بمؤسسة كبيرة، صرفت الدولة الكثير من الأموال لتأهيله حتى حصل على أعلي المؤهلات في مجال عمل هذه المؤسسة واكتسب خبرات هائلة وحصل فيها علي أحد المناصب القريبة من دائرة صنع القرار، وكان علي بعد خطوات قليلة للوصول إلى قيادة المؤسسة كلها، إلا أنه استيقظ يوما ليجد نفسه في منصب رفيع يحمل صاحبه لقب سعادة بهيئة حكومية أخرى، دخلها للمرة الأولي في حياته. ومع إيماني بقدرة صديقي على النجاح في موقعه الجديد إلا أنني أتفق مع الرحبي فيما ذهب إليه، فقد خسرته مؤسسته الأولى، ولا أعرف كيف يمكن أن تستفيد منه مؤسسته الجديدة، وهو أبعد ما يكون عن مجال عملها.

في كلمتين وبس نقول: لقد آن لهذه التجليات (الرائعة) أن تتوقف، وأن نجرب اختيار القيادات العليا من أبناء المؤسسة نفسها، ليس فقط حفاظا على الكفاءات كل في مجاله، ولكن أيضا لأن أهل مكة- بالقطع- أدري بشعابها.   

1 تعليقك

Comments are closed.