” أنطون تشيخوف”.. شاهد على صراع “البرجوازية الحاكمة” و “الشعوب”

أحيا العالم بالأمس 15 من يوليو الذكرى 152 لوفاة الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف بعد صراع مع مرض “السل” حيث يعد تشيخوف من أبرز المجددين في المسرح الأوروبي الحديث وواحدا من أهم رواد الأدب الروسي الواقعي والقصة القصيرة على مر العصور. وُلد انطون تشيخوف في 29 يناير عام 1860، وهو الثالث من ستة أطفال بقوا على قيد الحياة.
يقول بعض المؤرخين أن والد تشيخوف كان أبا تعسفيا ومنافقا في التعامل مع ابنه بعكس والدته التي كانت تعشق قصَّ الحكايات على الأطفال خاصة تلك المرتبطة برحلاتها مع والدها الذي كان يتاجر بالقماش في أنحاء روسيا، وربما مجمل حياة تشيخوف مع والديه دفعته ليقول: “حصلنا على مواهبنا من أبائنا، أما الروح فأخذناها من أمهاتنا”

طالب كسول وبداية الميول المسرحية
درس تشيخوف في مدرسة يونانية للصبيان في تاجونروج جمنازيوم، وتسمى حاليًا “بجمنازيوم تشيخوف”، ويذكر أنه احتجز في الأسفل لمدة عام بسبب فشلة 15 مرة في امتحان اليونانية، كما أنه اشتهر في المدرسة بتعليقاته الساخرة ومزاجه وبراعته في إطلاق الألقاب الساخرة على الأساتذة، وربما قد تشكلت الميول المسرحية لديه منذ تلك اللحظات حيث كان يستمتع بالتمثيل في مسرح الهواة وأحيانا كان يؤدي أدوارا في عروض المسرح المحلي. كما أنه قد قام بتجرية كتابة “مواقف” قصيرة، وقصص هزلية فكهة، ومن المعروف أنه ألف في تلك السن أيضا مسرحية طويلة اسمها “دون أب” لكنه تخلص منها فيما بعد.

تعلق بالمسرح
حضر تشيخوف وهو في الـ13 من عمره عرض (أوبرا هيلين الجميلة) لباخ وهو أول عرض مسرحي يحضره في حياته، وكان ينفق كل مدخراته لحضور المسرحيات، حيث كان يفضل المقعد الخلفي بسبب سعره المنخفض، رغم أن مدرسة الجيمنازيم لا تسمح لطلبتها بالذهاب إلى المسرح إلا بتصريح خاص من المدرسة، وكان هذا التصريح لا يصدر غالبًا بسهولة، وليس سوى في العطلات الأسبوعية فقط.

تعرضت عائلة تشيخوف لنكسة مادية وتراكم ديون مما اضطرها للمغادرة إلى موسكو بينما بقي تشيخوف في بلدته ليكمل تعليمه المدرسي حيث نجح في العمل كمعلم خصوصي وفي اصطياد وبيع طيور الحسون والرسومات التخطيطية للجرائد، وكان يبعث كل الأموال التي يدخرها لموسكو، بالإضافة إلى رسائل ممزوجة بروح الدعابة لرفع معنويات العائلة
وخلال هذا الوقت، قرأ على نطاق واسع وبشكل تحليلي للكثير من الأدباء الأوربيين

انطلاق مشوار الكتابة
انتقل تشيخوف للعيش في موسكو مع عائلته ودرس الطب في جامعة موسكو، وتولى مسؤولية دعم جميع أفراد أسرته، وبدأ مشوار كتابته بكتابة مقالات فكاهية وعن الحياة المعاصرة الروسية يوميا وبأسماء مستعارة في مختلف المجلات بموسكو وسان بطرسبورج مما أكسبه سمعة طيبة كأحد المؤرخين للحياة الروسية.

ويقول المترجم د. أبو بكر يوسف- ترجم أعمال تشيخوف للعربية – “تشيخوف بدأ بنشر «قصصه واسكتشاته المرحة وفكاهياته اللاهية» ثم أخذت قصصه في التطور حيث ظهرت فيها «جوانب السخرية اللاذعة من عبدة المناصب والألقاب والمنافقين وذوي الطباع الفظة الذين يتلذذون بإهانة الضعفاء» ولم تقف سخريته عند هذا الحد، فقد سخر من المسحوقين أنفسهم إذ يسخر من العبيد الصغار الذين يجدون قمة السعادة في أن يهينهم السادة ويذلوهم وتتجلى في قصصه نبرة وجدانية حزينة حول بؤس «البسطاء» ومعاناتهم التي لا يشعر بها أحد”

وبعد تخرجه عمل طبيبا الذي أعتبرها مهنته الأساسية وكان يعالج الفقراء مجانا.  في العام 1887 فازت مجموعة تشيخوف للقصص القصيرة في الشفق بجائزة بوشكين “لأفضل إنتاج أدبي مُتميز بقيمة فنية عالية” مما حدى الكاتب الروسي دميتري غريغوروفتش للكتابة لتشيخوف قائلا: “”لديك موهبة حقيقية، موهبة تضعك في المرتبة الأولى بين الكُتاب في الجيل الجديد. ”

عكست قصص تشيخوف التشوهات النفسية العميقة التي يعانيها أفراد المجتمع، السيد مشوه تماماً لأنه يمارس استعباد وإذلال غيره من الفقراء وهؤلاء أيضاً استسلموا لذلك وصاروا يجدون لذة في أن يمارس عليهم الإذلال ولم يكن صعباً على القارئ والناقد كذلك أن يتبين أن هؤلاء جميعاً ضحايا نظام اجتماعي وسياسي مستبد وفاسد تماماً ولذا فإن الرقابة كان منتبهة لقصص تشيخوف ومنعت مجموعته الأولى من النشر

اتجاه للرواية
اتجه تشيخوف إلى الرواية وكتب رواية “السهوب” بعد وعكة صحية ألمت به، التي تم تسميتها بـ “قاموس شعرية تشيخوف”، وأظهرت قدرا كبير امن جودة تخيله الناضجة وفازت منشوراته في مجلة أدبية.

ثم كتب «حكاية مملة» بعدها بعام، التي طرح فيها فكرة اللامبالاة وخطورتها على الروح الإنسانية وقد قال توماس مان -الروائي الحائز جائزة نوبل- عن هذه الرواية : “إنها شيء غير عادي شيء ساحر لن تجد له مثيلاً في الأدب كله فقوة تأثيرها وميزتها في نبرتها الخافتة الحزينة إنها حكاية تثير الدهشة على الأقل لتسميتها مملة في حين أنها تهزك بقوة وعلاوة على ذلك فقد كتبها شاب لم يبلغ الثلاثين من عمره ورويت بأقصى نفاذ بصيرة”

ويشكل أدب تشيخوف، صاحب مؤلفات خالدة كثيرة ك “النورس” “والعم فانيا” و”الأخوات الثلاث” و”بستان الكرز” و”الألم” و”تفاهات الحياة” و”الخطيب”، المرآة التي عكست صورة تفاعلات المجتمع الروسي في حقب دقيقة من تاريخ روسيا.

15 من يوليو 2012 الذكرى 152 لوفاة الكاتب الروسي الشهير

نقطة تحول
قرر تشيخوف القيام برحلة من موسكو غرب روسيا إلى جزيرة سخالين في أقصى الشرق عبر سيبريا وقطع مسافة عشرة آلاف كيلومتر بالقطار والقوارب والعربات الصغيرة والخيول البرية ووصف الجزيرة بأنها «أرض المعاناة التي لا تطاق» وتابع أحوال السجناء والمنفيين والمعذبين في تلك الجزيرة وأعد عنها دراسة مليئة بالمعلومات والملاحظات وخلال هذه الرحلة أصيب بمرض السل الرئوي ولم يشف منه أبداً حتى توفي

وفاته
استمرت رحلة تشيخوف تسعة أشهر، قرر بعدها مغادرة مدينة موسكو والعيش في ريفها لمساعدة الفقراء والمحتاجين والاشتراك في علاجهم مجاناً كطبيب وقام بأدوار اجتماعية وإنسانية مهمة فجمع التبرعات لمساعدة الأشد فقراً وعوزاً واضطرته ظروفه الصحية إلى أن يرحل إلى شبه جزيرة القرم على البحر الأسود لجوها الدافئ المشمس واشترى بيتاً بالقرب من مدينة «يالطا» وفي هذه المدينة البعيدة كان يتابع وحيداً نجاح مسرحياته ورواياته في موسكو ثم انتقل إلى ألمانيا للعلاج وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة.

ورغم أنه لم يكن يتمتع بشهرة عالمية خلال فترة حياته ، على نقيض معاصريه من كتاب روسيا أمثال تولستوي ودوستوفسكي والذين كانت شهرتهم تطبق الآفاق وهم أحياء ، لكن العالم أخذ يتعرف على تشيخوف بعد وفاته ،وازدادت شهرته بعد ذلك الحين بسرعة مذهلة ليصبح وفي كل أنحاء العالم على قدم المساواة مع كاتب “انا كارنينا ” و”الأخوة كرامازوف ”

إذا كان عدد من رواد الأدب العالمي قد منحوه شرف لقب “مؤسس القصة القصيرة’، فإن أعماله تعد حقا في مستوى هذه التسمية ليس فقط على مستوى الشكل بل وأيضا على مستوى المضمون وإلمام كتاباته بالظروف الاجتماعية والإنسانية الدقيقة في روسيا وبلدان أخرى في أواخر القرن التاسع عشر و التي تتكرر بشكل أو بأخر الآن في العالم العربي مع ما يعرف بالربيع العربي و الصراع بين “البرجوازية الحاكمة” و “الشعوب”.