أمن الإنسان .. أم أمن الدولة؟!

 

أيهما يأتي أولا؛ أمن الإنسان أم أمن الدولة؟ وأيهما يبني وطنا: أمن الفرد أم أمن الجماعة؟ هل هما منفصلين كما يبدو أم أنهما في غاية الإرتباط والتأثير على بعضهما؟
هل صحيح أن في سبيل أمن الدولة يجب أن ينتهك أمن الإنسان؟ أم أن الدولة الآمنة المطمئنة هي التي تحرص كل الحرص على احتواء وتجنب كل  اشكال وانواع المخاطر التي تهدد حياة الانسان؛ وكرامته و تحمي مصادر رزقه ومعيشته بعزة واحترام، وتكفل له ولأجياله الاستقرار والرضا.

سعيد الهاشمي – للتواصل مع الكاتب: hashmisos9@yahoo.com
هل يمكننا أن نفهم استحقاقات ” أمن الدولة” في معزل عن “أمن انسانها” والذي يرتبط بشكل صميمي بمسألة حقوقه وحرياته الأساسية؟!
يقف اليوم مفهوم “أمن الدولة” أمام تطورات لافتة, فبعد ان كان محصورا في تلك التهديدات الخارجية التي بالإمكان ان تنال من سيادة الدولة، وتزعزع هيبتها؛ كالحروب التقليدية التي تشنها الدول على بعضها البعض، أو على ذلك النوع من التهديدات “المعولمة” و التي تعاني منها الدول اليوم؛ خاصة عقب انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينات القرن الماضي؛ والتي مثلت تهديدات حقيقية عابرة للحدود: كتحديات التلوث البيئي, والإرهاب الدولي والهجرات البشرية في سبيل غد افضل، والنظام المالي المتداعي وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر.
ذاك اصبح من مفاهيم الماضي؛ إذ يقف  مفهوم أمن الدولة  اليوم متجاوزا هذا المفهوم “التقليدي” والذي أصبح تقليديا، لا لأن الدول لم تعد تعاني من تلك التحديات، بل تقليديا نظرا لضآلة تأثير كل ذلك  على تنمية الدولة من الداخل؛ مقارنة بإشكالات من قبيل؛ انتشار الفقر، و الامية، والبطالة، والحروب الأهلية، والنزاعات الطائفية، والأثنية، وقمع الدول لحريات مواطنيها، أو حتى عدم حرصها على توفير الحد الأدنى من الحماية لهذه الحقوق والحريات، وترك الأمر لإجتهادات شخصية تظهر وتخبو وفق أمزجة الرضا والسخط.
لقد انتقل مفهوم “أمن الدولة” بل تحول مركز اهتمامه من “حماية سلامة الدولة” إلى “حماية روح الإنسان” على أراضيها ليؤسس عهدا جديدا في مفاهيم بناء الدول، والحفاظ على وتيرة تنميتها ورخائها لأطول فترة ممكنة. إذ أصبح من هذا المنظور؛ أمن الإنسان هو “محور التنمية”، ومحركها الحقيقي، بل المحفز الابرز للتنافس في ميادين العمل الوطني.
من هذا المقام يجب أن نؤكد على جملة من النقاط الرئيسية لبناء أمن مشترك؛ يشعر فيه الجميع بذات المقدار من المسؤلية؛ ومن دون منة أو فضل من أحد على أحد.
فالوطن للجميع وليس لفرد ميزة على آخر في هذا الميدان إلا بالعمل والإجتهاد:
من هذه النقاط:
1.             أن أمن الإنسان هو شرط أساسي لأمن الدولة..فالإنسان المتحرر من الخوف، والحاجة، والفقر، والجهل؛ هو أكثر قدرة على حماية الدولة من أي مخاطر خارجية كانت أم داخلية ومن دون كثير جهد في التجييش والتجنيد.
كما أن الإنسان الذي حصل على كفايته من التعليم المحفز لطاقته العقلية والجسدية؛ والمتمتع بصحة بدنية سليمة؛ والمتوفر له خياراته المناسبة للعمل وتوظيف قدراته لتحقيق أحلامه وتعزيز عوائد بلاده , هذا الإنسان هو صمام الأمان الحقيقي لأمن دولته. وليس ذلك الخائف؛ المتوجس من نفسه, الجائع، الهالك، المنهك وراء كسرة خبز جافة، او ذاك الجاهل بحقوقه الأساسية غير العابئ بمعرفتها لأنه لا يعرف ثمارها. إن هذا الإنسان يشكل تكلفة باهضة الثمن على أمن الدولة؛ كما بينت  كثير من تجاربنا العربية:
فهو يحتاج الى من يحميه من نفسه اولا؛ لذلك لا بد من مضاعفة أعداد الشرطة ورجال الأمن، وتوفير أجهزة وهياكل تنظمهم وترعاهم. ثم يحتاج الى إصلاحيات
( إن لم نقل سجون) لتقويم سلوكه العالة على الدولة, كما يحتاج إلى جرعات مكثفة من التدريب والتأهيل ليستوعبه سوق العمل، ويقبله في حده الأدنى، وهذه تكاليف تدفعها الدولة من المال العام ومن عمر تقدمها؛ لأنها إن لم تفعل ذلك فعليها أن تنتظره؛ إما مجرما، أو مخربا لخططها، أو على أقل تقدير؛ عنصرا خاملا محسوب على عدد السكان وهو ليس إلا رقم يتضخم به “المقام”؛ ليتقزم أثر “البسط”؛ فتكون النتيجة أمراضا وكوارث مزمنة.
2.            أمن الدولة؛ هو نتيجة استثمار اجتماعي، واقتصادي، وسياسي، وفكري تعلنه الدولة بوضوح ويقبله المواطن برضا ينعكس سلوكا وعملا.
هذا الاستثمار الخاص عادة ما يكون طويل الأمد، وصادق الجهد، وبعيد عن المبالغات الإعلامية التي تلمع الأشخاص، وتشخصن الانجازات، وتضخم الأحداث على حساب حقوق المواطن، واستحقاقات الوطن .
والإستثمار- كأي استثمار- يستوجب المغامرة والثقة في نفس الوقت. فلا يكثر من التردد في ان خطوة ما أو جرعة من حرية بإمكانها ان تهدم صرح الدولة المشيد. وثقة أساسها أن المواطن يدرك أن الشراكة تحتم عليه أن يبادل الجهد بالإجتهاد المضاعف، وان العائد سيتشارك فيه الجميع.
3.            أمن الدولة ليس مربوطاً بشخصيات تطلق على نفسها “رموز الدولة” أو مجموعات مصالح متطفلة على المال العام، بل هو معنيٌ بالإنسان البسيط الذي يعيش في أقصى البلاد، أمن الدولة هنا يقاس هو الضامن له ولأولاده حقوقهم بالتساوي مع تلك “الرموز”، وليس العكس. لقد أوضحت التجربة في بلادنا أنه حتى الأجهزة التي أنشئت لأمن الدولة بدأت،  مع مرور الأيام ، ومع طول المكث، وطمأنة المال الموفور، والسلطة المطلقة، بدأت هذه المؤسسات بالانغلاق، وبالانكفاء على احتياجات أفرادها، و العزلة عن تطور وعي الجماهير. غير عابئة بيوميات الناس البسطاء؛ منشغلة بصراعات المناصب، وتوزيع الرتب، ومضاعفة الثروات المنهوبة. في المقابل كانت الجماهير وبالتحديد الشباب؛ منهم يتعلم بسرعة، ويحلل بعمق، ويخطط لبدائل، ويتواصل مع العالم بذكاء وندية، ويجرب بعض الأساليب لقياس أحلامه وتطلعاته الوطنية، ويقوي تشبيكه مع القوى الاجتماعية المختلفة؛ ليعبر عن ضميره الحر بالطريق التي يحب.
4.            الكلام عن أمن الإنسان أو الدولة  في ظل أمية قانونية في مجال الحقوق والواجبات اشبه “بحوار طرشان” ومضيعة وقت؛ ينعكس على تنمية البلاد؛ خرابا وتأخرا. بل يشوه جوانب مشرقة مما أنجزته الدولة على مستوى مؤشرات أساسية كالتعليم والصحة والبنية الأساسية. في ظل غياب ذلك والحرص عليه تصل الدولة الى مرحلة الجمود، وفقدان الثقة الدائمة من رعاياها مهما كانت المساعي حميدة، والنوايا كريمة.
وفي المقابل يصل الإنسان سريعا؛ الى مرحلة فقدان الرجاء في نظامه السياسي، وتضييع الامل في بنائه الإجتماعي، واتهام نظامه الإقتصادي بالسرقة والإحتكار والإستحواذ على موارده. والأمر في جذره ربما لايتعلق بكل ما سبق، بل لا يغدو الامر أكثر من جهل لحزمة مفاهيم أساسية تحتاج إلى توضيح، وبأساليب مبتكرة من الأناة والإقناع وطول البال حتى يطمئن الناس عند تبنيها كسلوكيات.
إن أمن الانسان؛ صنو الابداع؛ و أصل من أصول الحياة التي تشجع البشر على التشبث بها، وعدم التضحية بأي جزيئ منها مهما كان الثمن الموعود.

2 تعليقات

  1. مقال جميل يا سعيد. مسألة الأمن والأمان قد تكون لها أبعاد مختلفة في عمان -وبعض دول الخليج والدول العربية- مقارنة بدول العالم المختلفة. الأمن والأمان لدينا هما سلع تقايض بهما الحكومات لدينا لشراء السكوت والرضوخ. شكرا لك وبالتوفيق.

  2. مقال جميل يا سعيد. مسألة الأمن والأمان قد تكون لها أبعاد مختلفة في عمان -وبعض دول الخليج والدول العربية- مقارنة بدول العالم المختلفة. الأمن والأمان لدينا هما سلع تقايض بهما الحكومات لدينا لشراء السكوت والرضوخ. شكرا لك وبالتوفيق.

Comments are closed.