أزمة إدعاء عام!

أظهرت قضية “الكتابات المسيئة”، وما صاحبها من حملة اعتقالات واسعة، وجود اختلاف وتباين كبير بين ما تتطلع إليه القيادة السياسية للبلاد من بناء دستوري وحقوقي جديد يرسخ مبادئ دولة العدالة والقانون، وبين وعي بعض المسؤولين في المؤسسات القضائية والتنفيذية الذي لايزال أسير مفاهيم سياسية وثقافة إدارية تعود إلى فترة قديمة ماضية، ولا تتواكب مع مقتضيات المرحلة السياسية الجديدة التي تعيشها البلاد، وهو ما أدى إلى افتقار واضح لحسن الإدارة في التعامل مع قضية “الكتابات المسيئة”، وإلى أخطاء جسيمة انعكست آثارها وتداعياتها السلبية على المجتمع، وألحقت أضراراً كبيرة بالسمعة الطيبة التي تحظى بها السلطنة على المستوى العربي والدولي.

لقد بدا تعامل الإدعاء العام وبعض الأجهزة التنفيذية مع قضية “الكتابات المسيئة” مناقضاً ومعاكساً تماماً لما أكدت عليه القيادة السياسية للبلاد من توجهات نحو استكمال بناء الدولة المدنية الحديثة، بما يستتبعها بالضرورة من وجود مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ومؤثرة، وصحافة حرة، ومشاركة شعبية واسعة في صنع القرار، ومؤسسات قضائية ورقابية تضمن تطبيق مبادئ النظام الأساسي للدولة، ولاسيما الحقوق المدنية كحق التعبير عن الرأي، والتجمع السلمي، والعدالة الإجتماعية، وهو ما أكدت عليه الإصلاحات التشريعية والدستورية الواسعة التي شهدتها البلاد مؤخراً، والتي أنهت خضوع السلطات التشريعية والقضائية والرقابية للحكومة والأجهزة والتنفيذية، وأوجدت عهداً سياسياً جديداً يحظى فيه القضاء بسلطة مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية، ويتمتع فيه مجلسي الشورى والدولة بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، وبالتالي أصبح  بنيان الدولة المدنية الحديثة أكثر وضوحاً ورسوخاً بسلطاته الثلاث:التنفيذية، والقضائية، والتشريعية.

ناصر صالح – للتواصل مع الكاتب: ofaqarhab@yahoo.com

ولعل ما يلفت الإنتباه فعلاً هو أن أولى المراسيم التي دشنت للبناء التشريعي والدستوري الجديد في عُمان هو مرسوم منح الاستقلال الإداري والمالي للإدعاء العام، حيث صدر في 28 فبراير 2011م، أي بعد يومين مباشرة من انطلاق الحركة الإحتجاجية في 26 فبراير 2011، وهو ما يدلل بشكل واضح على الأهمية الشديدة التي أوليت لدور الإدعاء العام في ضمان استقرار العلاقة بين المجتمع والدولة، والآمال والمسؤوليات الكبيرة المعقودة عليه ليقوم بدوره في الدفاع عن الحق العام، وتحقيق العدالة الإجتماعية، فكما تشير المادة (64) من النظام الأساسي للدولة “يتولى الإدعاء العام الدعوى العمومية باسم المجتمع، ويشرف على شؤون الضبط القضائي، ويسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام..” وهذا يعني أن يقوم الإدعاء العام بهذه الأدوار سواء أكان هؤلاء المذنبين مواطنين فقراء أم وكلاء ووزراء، وسواء أكان أصحاب الحق هم تجار وأصحاب نفوذ أم كان الحق يتعلق بالمصلحة العامة للمجتمع والحفاظ على حقوقه ومكتسباته أو يتعلق بصون الثروات والممتلكات الوطنية للدولة.

إن الكيفية التي تعامل بها الإدعاء العام مع قضية “الكتابات المسيئة” تنم عن ثقافة إدارية لايزال يغلب عليها الطابع الأمني أكثر من التوجه المدني الحقوقي، وهي ثقافة تأسست وتشكلت خلال فترة وجود الإدعاء العام كإدارة تابعة تابعة للمفتش العام للشرطة والجمارك، ويقيناً أنه لو أراد المشرع للإدعاء العام أن يكون مدافعاً فقط عن سياسات الحكومة لأبقاه في وضعه الإداري السابق، بيد أن المشرع أراد للإدعاء العام أن يقوم بمسؤوليات وأدوار جديدة كسلطة مستقلة ضمن بنيان الدولة ومؤسساتها المستقلة عن بعضها البعض، ولهذا تم منحه صلاحيات كبيرة من بينها إقامة الدعوى التأديبية على مأموري الضبط القضائي في كل ما يقع منهم من مخالفات أو تقصير في عملهم، وكل هذه الصلاحيات الكبيرة تتطلب تطوير المفاهيم السياسية، وبناء ثقافة وؤرية جديدة تتحدد على ضوءها مهمة ورسالة وأهداف الإدعاء العام في ضوء وضعه التشريعي الجديد، وذلك حتى تتوجه كل طاقاته وجهوده لتحقيق المسؤوليات الموكلة إليها في الدفاع عن الحق العام، وحفظ حقوق المجتمع بدون أية تدخلات من أي جهة في اختصاصاته وصلاحياته.

لقد كان من الممكن التعامل مع قضية “الكتابات المسيئة” بطريقة سهلة وبسيطة، فهذه الكتابات ليست حدثاً كارثياً مثل اعصار “جونو” أو غيره من الأحداث المفاجئة، بل هو حدث متوقع، خاصة في ظل تطور أدوات ووسائل الإتصال والتواصل الإلكترونية، والدليل على هذا أن المشرع العماني أوجد، منذ سنوات طويلة جداً، البند القانوني الواضح والدقيق والمحدد للتعامل مع الكتابات المسيئة إن ثبتت صحة وحقيقة هذه الإساءة، وبالتالي لم يكن مطلوباً من الإدعاء العام سوى التحقيق في الواقعة، واقامة الدليل المادي، واثبات النيه الجرمية للمتهم، أي البرهنة على الركن المادي والمعنوي للإساءة، فلماذا إذاً تحولت قضية بسيطة إلى حدث ضخم، وإلى أزمة هائلة تسببت بكل هذه الإرتباكات والفوضى؟! وأثارت كل هذه البلبلة والزوبعة؟!

إن التحليل الموضوعي لقضية “الكتابات المسيئة” يكشف بوضوح أن تحولها إلى أزمة كبيرة تسببت فيه أخطاء إدارية وإجرائية عديدة، فعلى المستوى التوعية الاستباقية بالقوانين لم يقم الإدعاء العام، بالتعاون مع الجهات القانونية المعنية، بالدور التوعوي الذي كان يفترض أن يقوم به، خاصة فيما يتعلق بالتوعية بالقوانين الجديدة، فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي تم بموجبه محاسبة الكثير من المتهمين، صدر في شهر فبراير 2011م، وإلى الآن لايزال هنالك الكثير من المسؤولين، والمثقفين، والأكاديمين، والقانونين لايعرفون الكثير من بنوده، والبعض لم يسمع به حتى، فكيف الحال بشباب بعضهم لايزال طلبة في الجامعات، ولهذا فقد كان بإمكان حملات التوعية المسبقة بالقوانين أن تخلق وعياً اجتماعياً واضحاً بالحدود الفاصلة بين المسموح والممنوع، وبالتالي تجنيب الكثيرين الوقوع في الأخطاء والتجاوزات القانونية.

كذلك فقد كان هنالك بطء كبير في ردة فعل الإدعاء العام تجاه الكتابات المسيئة، فرغم أنها بدأت في الظهور والإنتشار منذ أكثر من عامين، إلا أن الإدعاء العام لم يكن له أية رد فعل إزاءها، بل إن الإدعاء العام تعامل مع إحدى الكتابات المسيئة والصادمة للمجتمع بشكل متساهل جداً، الأمر الذي بعث برسالة ضمنية خاطئة لكثير من الشباب بأنه لا عقوبة كبيرة لمثل هكذا اساءات! وبالتالي فقد أدى صمت الإدعاء العام وتجاهله الطويل لـ “الكتابات المسيئة” إلى تحولها لظاهرة كبيرة واسعة الإنتشار. ومثلما أنه ينبغي محاسبة وزارة الصحة في حالة عدم قيامها بردة فعل سريعة لمنع انتشار مرض من الامراض وتحوله إلى وباء، كذلك ينبغي محاسبة مؤسسة الإدعاء العام على صمتها الطويل على “الكتابات المسيئة”  حتى تحولت إلى ظاهرة سلبية لها هذا الإنتشار الواسع!

وفي حين أنه كان يفترض بالإدعاء العام أن يكون قدوة ومثال يحتذى للجميع في التزامه ببنود النظام الأساسي للدولة، والتطبيق الكامل للقوانين، خاصة وأنه هو الجهة المشرفة على شؤون الضبط القضائي، حيث أعطاه المشرع الحق والصلاحية في محاسبة أي مسؤول أمني عن أي تجاوز للقوانين، إلا أن إجراءات القبض، والإعتقال، والتحقيق التي تمت في هذه القضية تكشف عن تجاوزات كبيرة لبنود ومواد صريحة وواضحة في النظام الأساسي للدولة مثل المادة (40) التي تؤكد على واجب احترام النظام الأساسي للدولة، والمادة (24) التي تمنح المتهم حقه في معرفة أسباب القبض عليه أو اعتقاله فوراً، ومعرفة التهم المنسوبة إليه على وجه السرعة، وحقه في الإتصال فوراً بمن يرى إبلاغه بما وقع. والمادة(20) التي تؤكد أنه “لايعرض أي إنسان للتعذيب المادي أو المعنوي أو للإغراء، أو للمعاملة الحاطة بالكرامة. ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. كما يبطل كل قول أو اعتراف يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب أو بالإغراء أو لتلك المعاملة أو التهديد بأي منهما”. وكذلك حدثت تجاوزات لمواد قانونية واضحة وصريحة تؤكد على حقوق المتهمين ومن بينها حقهم في توكيل محامي، والإجتماع بمحاميهم قبل يوم من جلسة التحقيق..إلخ، ولاشك أن هذه التجاوزات لبنود النظام الأساسي للدولة، ولنصوص قانونية واضحة هي التي أحدثت كل هذه البلبلة والزعزعة لثقة المجتمع في القوانين، كما أنها هي السبب الرئيسي في إلحاق الأضرار الكبيرة بالسمعة الطيبة التي استحقتها السلطنة، خاصة بعد تعاملها الناجح مع الحركة الإحتجاجية في عام 2011، واستجابتها السريعة للمطالب الشعبية بسلسلة واسعة من التغييرات والإصلاحات السياسية والدستورية والتشريعية.

إن التقييم الموضوعي لما حدث مهم جداً لمعرفة الأسباب الحقيقية في انتشار ظاهرة “الكتابات المسيئة”، وبالتالي في إيجاد العلاج الناجع لها، فالإجراءات العقابية لوحدها لايمكن أن تحل المشكلة، كما ينبغي للمؤسسات القانونية القيام بدور كبير لتعزيز الوعي الحقوقي والقانوني في المجتمع، وحتماً أن مثل هذا الدور ينبغي أن تسهم فيه أيضاً مؤسسات تربوية وأكاديمية وإعلامية، ومراكز دراسات، وأن يقوم به كتَّاب ومثقفون وحقوقيون ومحامون، فالوعي المجتمعي مسؤولية جماعية، وهذا كله يقتضي حوار مجتمعي تفسح له مساحات واسعة في وسائل الإعلام، كما ينبغي للمؤسسات القضائية والتشريعية أن تقوم بتطوير مفاهيمها السياسية والحقوقية والقانونية لتتواكب مع استحقاقات المرحلة السياسية الجديدة التي تعيشها البلاد، وذلك حتى تؤتي الإصلاحات الدستورية والتشريعية والقضائية الجديدة أكلها وثمارها المنشودة.

4 تعليقات

  1. الأزمة مختلقة لأننا لم نتعود بعد على التفكير المتزن. المهم أن ننشر صورنا ونلعن الآخرين ونلجأ إلى الذاتية والأنانية متجاوزين الحرية المسؤولة في التعبير عن الرأي.
    محمود

  2. ليأتي بعد ذلك من على شاكلة محمود الشريقي او (الشريفي) ليقول بأن الازمة مختلقة .. بل انت من يحمل تأزيما نفسيا. وجميل صنعت يا ناصر بعدم الاستعانه بأحد الاسماء المعروفة كتابيا وإلا كان المحمود لك يالمرصاد بكل اسلحته…

  3. ليأتي بعد ذلك من على شاكلة محمود الشريقي او (الشريفي) ليقول بأن الازمة مختلقة .. بل انت من يحمل تأزيما نفسيا. وجميل صنعت يا ناصر بعدم الاستعانه بأحد الاسماء المعروفة كتابيا وإلا كان المحمود لك يالمرصاد بكل اسلحته…

  4. المسألة ليست شخصية ومع ذلك أقول لك أنا لا أشكو من أزمة ولا تأزيما نفسيا أشكو. ولو كنت مأزوما نفسيا لتخيلت معكم أن الحياة نفسها أزمة. وللعلم فأنا حين أعقب هنا فهذا من حقي خاصة حين أرى كاتبا يتصور نفسه سيدا للقراء وقائدا لهم كما عند المسحنفر عبد الله حبيب الذي ينصب نفسه زعيما وقائدا فيخاطب الآخرين (بنت بلادي) (بنات بلادي) (ولاد بلادي) ولم يبق له إلا أن يقول (وأنا حكيم بلادي) و(جيفارا بلادي) على طريقة جيشي وبرلماني!
    محمود

Comments are closed.