أبوماضي الذي “لم يعرف الشعر العربي له من نظير”

يعد إيليا أبو ماضي من أهم شعراء المهجر، إلى جانب جبران ونعيمة، حيث استطاعوا أن يؤسسوا نهضة أدبية عربية في بدايات القرن العشرين، وتمكنوا من المحافظة على “نبض القلم العربي” في الغرب. وتقول عنه الشاعرة فدوى طوقان: ( إنني أرفع “أبو ماضي” إلى القمة ولا أفضّل عليه شاعراً عربياً آخر لا في القديم ولا في الحديث. فالشعر العربي لم يعرف له من نظير).

وأبو ماضي شاعر لبناني ، ولد في قرية المحيدثة في عام1888 من أسرة أرثوذكسية، ويعتبر من رواد الشعر المعاصر الذين يحمل روح الشرق في المهجر، وكانت بداياته حين أجبره الفقر وضنك العيش على ترك الدراسة بعد الابتدائية، فاضطر إلى مغادرة لبنان إلى مصر، وعمل في التجارة ، وكانت مصر آنذاك مركزاً للمفكرين اللبنانيين الهاربين من قمع الأتراك.

نشر إيليا قصائده في مجلات لبنانية صادرة من مصر، أهمها “العلم” و”الاكسبرس، وهناك، تعرف إلى الأديب أمين تقي الدين، الذي تبنى أعماله ونشرها في مجلة الزهور، وتعرض إيليا أو ماضي بعد إصداره لديوانه الأول عام 1911 تحت عنوان “تذكار الماضي” لمضايقات من السلطة الرسمية في مصر، وذلك بسبب الصبغة السياسية والوطنية التي تجلت في أشعاره، فهاجر بعدها إلى أمريكا الشمالية، حيث عمل في في نيويورك نائباً لتحرير جريدة “مرآة الغرب“.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث الغربة وفراق تراب الوطن، أسس أبو ماضي الرابطة القلمية مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، التي كانت أبرز مقومات الأدب العربي الحديث، وتعتبر هذه الرابطة أهم العوامل التي ساعدت أبي ماضي على نشر فلسفته الشعرية، وفي عام 1919، قام إيليا أبو ماضي بإصدار مجلة “السمير” التي صنفت كأهم مجلة عربية في المهجر تبنت الأقلام المغتربة، وقدمت الشعر الحديث على صفحاتها، واشترك في إصدارها معظم شعراء المهجر لا سيما أدباء المهجر الأمريكي الشمالي، وقام أبو ماضي بتحويلها عام 1936 إلى جريدة يومية، زخرت بصنوف الحنين للوطن، والهموم العربية المشتركة آنذاك.


شاعر الأمل والتفاؤل
يسمي بعض النقاد أبو ماضي بشاعر الأمل والتفاؤل، يقول ردا على من يدعي أن ظروف الحياة حولنا قد تدعو للتشاؤم:
قال السماء كئيبةً وتجهمَ،

قلت ابتسم يكفي التجهم في السما،

قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم،

لن يرجع الأسف الصبا المتصرّما،


كما أن لم يتوانى في الدعوة إلى الحب والتعايش السلمي بين الأفراد في شعره رغم مروره بتجارب عاطفية فاشلة ، كقوله:

” أيقظ شعورك بـالمحبة إن غفا

.. لولا الـشعور الناس كانوا كالدمى

.. أحبب فيغدو الكوخ كونا نيرا

.. وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما


شاعر الطبيعة

أما البعض الآخر فأطلق عليه لقب شاعر الطبيعة والعذوبة، حين تجلت طبيعة قرية المحيدثة في صوره الشعرية بصورة جميلة، ويذكر أن عيناه فجعت ذات يوم برؤية زهـرة مسجونـة في إناء في أحـد الصالونـات الفخـمة, فتألم أشد الألم لدى رؤيتـها, لأنه لم يكن باستطاعتـه أن يخلّصها من سجنـها وعذابها. فقال فيها:

لعمرك ما حزني لمال فقدته

.. ولا خان عهدي في الحياة حبيب
ولكنني أبكي وأندب زهرة

.. جناها ولوع بالزهور طروب
رآها يحلّ الفجر عقد جنونها

.. ويلقي عليها تبره فيذوب

وكان الوطن “لبنان” محور يوميات ايليا أبو ماضي، وهاجسه الذي لم يمل في الحديث عنه كقوله: ” اثنان أعيا الدهر أن يبليهما، لبنان والأمل الذي لذويه” ، كما أن الشاعر الذي “نشأ فقيرا” لم ينس سوما أوجاع الفقراء والمسحوقين في بقاع الأرض فكتب لهم كثيراً : “وإن هم لم يقتلوا الأشقياء، فيا ليت شعري من يقتلونْ ، ولا يحزننكم موتهم، فإنهم للردى يولدون ، وقولوا كذا قد أراد الإله، وإن قدر الله شيئًا يكون.
رحيله
رحل ايليا أبو ماضي في 23 نوفمبر من عام 1957 بعد نوبة قلبية أصابته في نيويورك، وإن كان قد تمنى أن تفارق روحه جسده بين أحضان الطبيعة الخلابة التي تزخر بها وطنه، فقد ترك “للبنان” خاصة والوطن العربي عامة شعرا فلسفيا في السياسة والمجتمع والحب نابذا التعصب والطائفية بكل أنواعها، ومؤمنا بديانة واحدة ألا وهي ديانة “الإنسان.


إعداد : رحمة الصوافي – البلد

٢٠١٢١١٢٥-٠٩٢٩٥٨.jpg