آمال معلقة على جولة استئناف قضائية

جولة قضائية من الاستئناف جديدة تبدأ هذا الأسبوع لمحاكمات الشباب العمانيين الذين أدانتهم محكمة الخوير الابتدائية بالإعابة، تلك الأحكام التي خلّفت خيبة شبابية واسعة للآمال التي كانت عريضة في قضاء ينقذ الحالة العامة ويكون أكثر ثباتاً ونصاعة ونفياً للشك والظنون.
جولة محاكمات الاستئناف ستبدأ لمجموعة أولى من الشباب المبدعين الذين أدانتهم المحكمة الابتدائية وحكمت عليهم بأحكام عنيفة قاسية لا تتناسب حتى مع حجم الجرم المنسوب إليهم بالإعابة، ناهيك عن تطابق الأحكام رغم اختلاف المخالفات، فهل سيتدارك قضاة الاستئناف ما حطمه قضاة الابتدائية من آمال شبابية عريضة في القضاء العماني المعاصر؟.

أم هل سنرى للمجلس الأعلى للقضاء حراكاً يتناسب مع روح العدالة والنزاهة التي هي مسئولية المجلس؟ وهل سيتحرك المجلس لحماية سمعته الداخلية والدولية التي أضرتها الأحكام القاسية المتعسفة التي صدرت بحق خيرة الشباب العماني المعاصر، والذين أدينوا بما كان يمكن التغاضي عنه من أساسه، أو كان يمكن للمرة الثانية الاكتفاء بمدة حبس بلغت أشهر.

المجلس الأعلى للقضاء بجميع قضاته مدعو اليوم شبابياً لانقاذ الفرصة الأخيرة من هذه المحاكمات الجائرة التي أدانت الشباب بكلمات طائشة قيلت في لحظات غاضبة، وإذا كانت الظروف التي قيلت فيها تلك الإساءات لم تؤخذ بعين الاعتبار في جلسات المحكمة الابتدائية، فهل سيعيد قضاة الاستئناف العدل إلى نصابه، في حق شباب من خيرة شباب الوطن، تشهد لهم أعمالهم وحسناتهم الكثيرة، صدرت منهم كلمة غاضبة على موقع تواصل اجتماعي ما، فوجدوا أنفسهم رهن الاعتقال والاتهام والأحكام الجائرة، والغرامات الباهظة.

فهل ننتظر من مجلسنا الأعلى للقضاء حراكاً يتناسب مع خبرة قضاته، وحنكتهم، وحسن تقديرهم لما يترتب على الغلو في الأحكام على حالة ووضع وسمعة القضاء العماني، الذي صارت حتى الجهات والمؤسسات لا تأبه أحياناً لأحكامه، كما حدث في قضية اتحاد الكرة الشوكية.

أم أن زاوية نظر أمثالنا من الشباب هي زاوية نظر رومانسية غير واقعية، لا محل لها من الإعراب، في الواقع العماني المعاصر، وأبعد ما تستطيع بلوغه أن تكون كلمات مجردة.

الحقيقة المعاصرة التي يعرفها القاصي والداني أن الثقافة العالمية المعاصرة لم تعد تنظر لمثل هذه القضايا إلا بوصفها نوعاً من التعسف والإهدار لحق الشباب في التعبير عن غضبهم بالكلمات، وإذا كان التعبير الكلامي عن الغضب يقابل بمثل هذ الإجراءات المؤسسية القاسية والعنيفة، فكيف سيكون شكل المستقبل، والمرغوب ابن الممنوع؟ وهل العدالة في تطبيق الأحكام القاسية التي أصدرتها المحكمة الابتدائية بحق جُملٍ وكلمات تم تأويلها بأشنع التأويلات وأكثرها تطرفاً عكس ما تستوجب كل حكمة؟ أم روح العدالة ومكانها في إيقاف مثل تلك الأحكام، التي سمعنا أن قضاتها أنفسهم ندموا لاحقاً على إصدارها. ونالت نقداً لاذعاً عدا عن امتعاض الرأي العام والشعبي بكل أطيافه من قسوة تلك الأحكام وتطرفها.

اليوم صار جلياً بعد كل جلسات المحاكمات أن القضايا التي أقتيد بسببها الشباب إلى الحبس والتحقيقات والسجون والمحاكم لم تكن تستحق بمفردها كل ردات الفعل القضائية العنيفة، وأن التأجيج الأمني والاستنفار الهائل للقسم الخاص وحالة الترويع التي بثتها تحركاته في نفوس الشباب الغض، قادت لدوامة واسعة زادتها بيانات الإدعاء العام الحادة النبرة، والهجومية والاجتماعات المغلقة للمؤسسات الأمنية بأعضاء في سلك القضاء وأعضاء مجلسي الدولة والشورى.

والتشهير الإعلامي المتعنت، كانت كلها أكبر من حجم وسعة تلك الكلمات الغضبى الصغيرة ، التي قيلت بشكل فردي، لكن سمّاعات الحكومة قامت بتضخيمها جداً إلى الحد الذي لم يعد ممكناً تمييز الكلمات نفسها ككلمات، مقابل ردة الفعل المستنفرة والمستثارة والواسعة لأجهزة المؤسسة الرسمية. وكأنما كانت أجهزة المؤسسة الرسمية تقوم بتكرار الإعابة وإدانتها عامدة كي يتسنى لها هي تكرارها وتثبيتها ونشرها وقولها في معرض العرض والشرح دون تجريم وإدانة!

ما الذي تحمله كلمات الشباب كي تقابل بمثل ردة الفعل الرسمية الشرسة إذن؟ وما المصلحة العامة المتوخاة من مثل هذه الأحكام القاسية؟ ومن تثبيتها؟ وأي تطوير نتوخاه من مثل هذا التطور الرسمي اللافت؟!

الصورة القضائية العمانية مضطربة اليوم بسبب تلك الأحكام الابتدائية، فهل ستعيد هيئة الاستئناف للعدالة العمانية سكينة وجهها الناصع بما يوازي أولاً تاريخ القضاء العماني العريق المشرف وما يوازي لاحقاً هنا بين الجرم المنسوب والعقوبة؟ وهل ننتظر من مجلس القضاء الأعلى حراكاً حقيقياً لحماية سمعة العدالة من تأثيرات ارتياب المؤسسات الأمنية وشكها الأمني المتطرف المعتاد وقوتها وقدراتها الهائلة ضد شباب تبين للجميع وأولهم أجهزتنا الأمنية أنهم عكس ما تشيع عنهم وتتهمهم المؤسسة؟.

الأمل الشبابي الأخير معقود بهيئة قضاة الاستئناف ومجلس القضاء الأعلى لإعفائنا من الاستماع والانصات هذه المرة لردات فعل شبابية متطرفة رداً على تطرف أفعال الأجهزة الرسمية، فالتطرف المتضاد لا يفيد إلا في تأجيج وسطنا العماني بشرارٍ نحن أشد ما نكون غنى عنه في يومنا وغدنا.

أم أن آمال مثلي سراب بقيعة؟
قادم الأيام سيأتينا بالخبر اليقين عن حالة العدالة العمانية، وعما تحتمله من آمال.

٢٠١٢٠٩١٤-١٣٢٠١٩.jpg
ابراهيم سعيد كاتب وشاعر

2 تعليقات

Comments are closed.